المدونة

نتاج السنين شعر, أدب, سياسة
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ديوان أخت ذاك القمر
الأربعاء ديسمبر 24, 2014 2:46 pm من طرف تيسير نصرالدين

» المفارد
الإثنين ديسمبر 22, 2014 11:24 pm من طرف تيسير نصرالدين

» ديوان عطور القوافي
الأحد ديسمبر 21, 2014 10:55 pm من طرف تيسير نصرالدين

» شقو الستارة
الأحد ديسمبر 21, 2014 1:12 pm من طرف تيسير نصرالدين

» إهداء
الثلاثاء أغسطس 19, 2014 2:07 pm من طرف تيسير نصرالدين

» زجل مع الشاعر فراس عبيد
الأحد مارس 11, 2012 7:23 pm من طرف تيسير نصرالدين

» لعنة الاشتياق
السبت سبتمبر 24, 2011 6:51 pm من طرف تيسير نصرالدين

» النخبة
السبت سبتمبر 24, 2011 6:46 pm من طرف تيسير نصرالدين

» وجهة سمع
السبت سبتمبر 24, 2011 6:45 pm من طرف تيسير نصرالدين

ازرار التصفُّح

مدونتي

التبادل الاعلاني
                                                                   
   
 
 
 
 
 

 

شاطر | 
 

 ...القصة...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
تيسير نصرالدين
Admin


عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 26/12/2010

مُساهمةموضوع: ...القصة...   الأحد ديسمبر 26, 2010 11:09 pm

تَحْذِيرٌ :
لِهَذِهِ المادَةِ قَانُونُ حِفْظ يمنَعُ كُلَّ تَجَاوُزٍ بالنَّشْرِ دُونَ النَّسَبِ للكاتب تيسير نصر الدين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taisir.yoo7.com
تيسير نصرالدين
Admin


عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 26/12/2010

مُساهمةموضوع: يوميات مهاجر    الأحد ديسمبر 26, 2010 11:11 pm



الهجرة خطا تسير باتجاه الحلم أو باتجاه الرغيف.
تطارد الأماني المتطايرة كالعصافير
وبغفلة عن الزمن ترميك في منتصف الطريق

حين تسترجع مصاعب االرحلة وأنت تتأبط يد القدر
أوأن يد القدر تدفعك باتجاه واحد على الرغم من عنادك المستميت
تدرك أن هذا الطريق هو لك إما أن تسيره ببعض إرادتك وإما أن تقطعه رغما عنها
في هذه الحياة مواقف لاتنفع فيها الشطارة ولا تشفع لها الجسارة
يحدث فيها شييء ما على غفلة ويغير مجرى الحياة كلها .
رحلتي أنا كنت طويلة وكانت متنوعة ومثيرة أحيانا .
سأتحدث عن يوميات لم تكن عادية وسأحاول أن أهذب ماستطعت من قسوة الأيام وقسوة البشر بل سأحذف مقاطعا كثيرة لاتسمح بها رقابة الذات حاليا خاصة تلك التي تلامس مواضع الألم في نفسي كي أجنب نفوسكم طعم هذات الألم .
اليوم تحولت المعاناة إلى مجرد ذكرى انها مجرد ذكرى مليئة بكل شيء لكن لا أنكر أنها كانت تمتلك متسع ومساحة للفرح وللحب في أكثر الظروف مآساوية وفي أكثر اللحظات تألما.
أن أدب الحياة ينطلق من تجارب فردية تتفاوت وتختلف في عمقها وشكلها وطريقة رصدها بل وطريقة سردها , لكن الأهم أنها تجربة حياة .
الخطوة الأولى امتلاك القرار المعاكس بعد أن كنت قد أتخذت قرارا بالإستقرار في وطني كجانب أخلاقي من واجبات المواطنة وكمفهوم عملي يتطابق مع طموح وانتماء وهوية وربما أحلام أو أوهام .
بدأت رحتلي في تأسيس عمل لي في مدينة دمشق وقد نجحت في ذلك نجاحا ملموسا وحققت دخلا شهريا أكثر من جيد جدا وعالي نسبة بالدخول العادية .
لكن جانب العلاقاات العامة والخاصة بدأ يصطدم بمنغصات يومية كنت أتعمد مشاكستها بل مواجهتها باستمرار مما اعطت حياتي جانبا صداميا مع كل ما حولي عدا شغلي الذي كان جيدا وناجحا , لكن المشكلة ربما هي الهزيمة الأولى التي تمر بي وتشعرني بثقلها
كنت قد مررت مبكرا بنكائد العيش, ومسراته أيضا .
كان للعسر حظا وفيرا في طريقي , لكنه القدر ... وإن يحلو لنا أحيانا أن نقول نحن نصنع أقدارنا , لكن ما كان يحدث معي كان خارجا عن المألوف , لم يكن لبعض الوقائع مبررات واقعية, حتما أن القدر ليس له عنوان واسم ورقم هوية , لكنه موجود في كافة المنعطفات ووجوه المارة وعجلات السيارت والأصص الموزعة على الشرفات , في شرطي السير وموظف الحكومة , في سائق الباص وسائق التكسي. قد يوزع القدر مكائده ومصائده ومحاسنه في جميع هؤلاء .
كانت الإنكسارات والهزائم قد بدأت تظهر اثارها على ملامحي ,نعم لقد شعرت بالإنكسار يعم نفسي مرفقا بغمامة من الحزن تغلف كل شيء حولي بالسوادولم يسلم من هذه الإنكسارات سوى ارادتي نسبيا .
تبدلت الأحلام والرؤى وتقلص الحلم من وطن فسيح إلى جواز سفر بعد أن خذلتني صبوتي ,جواز السفر أصبح أم القضايا وأبو الأحلام كلها لا أدري كم مضى من الحلم لكنني أدري كم مضى من الوقت , إنه الحول المكّون من إثني عشر شهرا ضاقت خلالها الدنياوانحسر سقف السماء وأنا أبحث عن جواز السفر .
مسافة طويلة من الزمن والعذاب سأختصرها بجملة واحدة ,جواز السفر في جيبي ’ لم يبقى أمامي سوى أن أجد من يبتزني من جديد للحصول على تأشيرة دخول لبلد أجنبي وكان الأرجح أن تكون ايطاليا لأن لي فيها قريب قد يمد لي يد العون .
كانت خطواتي تتعثر كمن يسير بعكس سيل جارف , كل شيء كان عسير ا و يسير بصعوبة ,كنت أعد نفسي أن غزو غزوة طارف ابن زياد واقسمت أنني سأحرق جميع المراكب.
كانت الطائرة تهبط في مطار اليونان وأنا أرتب أوراقي واعيد أعتبارات لبعض الأوراق التي اسقطتها من حساباتي .
عشرة أعوام مضت امضيتها هدرا اصارع طواحين الهواء . كنت واحدا من قبائل دونكيشوت وكان مثلي كثيرون يعتمرون الوهم بزة للمجد .
لكن دونكيشوت مات كما يموت الأبطال أما أنا أهرب من حزني كالجبناء .
كنت اشعر حين دخلت اثينا أنها مدينة لاتعنيني بشيء لم أطيل النظر في شوارعها ولا اسواقها توجهت مسرعا باتجاه الفندق ودخلت غرفتي كي أمحو خطوات النهار وأكون شكلا للحلم القادم.

-2-

جلست على كرسي وحيد في غرفة الفندق وكتبت في دفتري مايلي ,!
يستيقظون على هجرة ويمسون على رحيل , لهم وجهة يعرفها النزوع دون عناء كي يتحتّم الوصول إلى معاناة لا تنتهي ,رحلة تبدأ بفكرة حالمة وتنتهي بحلم مقتول وفي أحسن الحالات حلم بلغ سن التقاعد , حين تغادر وطنك يتخلف عنك شيئ ما ولا تشعر بفقدانه إلا بعد حين وغالبا مايصعب تحديده إذا تختلط عليك المشاعر .
أهي طفولة تمر عليك وتفرط حبات مباهجها؟ , أم أنها تبكي على مساحات اللعب الفسيح ووجه أم بشوش يقطر من شهد اللسان كلاما كالتلاوة , أم أنه العشق الذي ينقش على حجارة البازلت ظلك ولون عينيك ويترك رائحة جلدك تعشش في ثنايا الجدار؟.
أم أنها الرغبة بالتسلق على الجدار حيث يتربع حوض النعناع المعلق كحدائق بابل ؟.
يالله كم من الشوق ينهمر وأنا لم أغادرك بعد, هنا في أثينا أقترب منك أكثر, لكن لا ادري لماذا كل هذا الصقيع بدأ يتسرب إلى جسدي.
كانت ليلة مختلفة بعض الشي,كانت المشاعر في حالة من الثمالة ,تتأرجح بين الحلم والواقع وبين الخوف والمغامرة , حاولت أن أسترجع بعض الصور الجميلة وأنا في سريري ولم أشعر بعدها بشيء. استيقظت على رنين الهاتف ليقول لي موظف الأستعلامات أمامك ساعة للذهاب إلى المطار, يمكنك تناول الإفطار قبل المغادرة واصفا لي طريق المطعم .
وصلت إلى المطار مع مجموعة صغيرة من المسافرين القادمين من الفندق وصعدنا إلى الطائرة المتوجهة إلى ميلانو بعد الإجراءات الروتينية وكان كل شيئ على مايرام .
بعد أن اقتربت الطائرة من أجواء أيطاليا كنت استرق النظر من النافذة لأرى البحر يقترب منا قبل ان يغيب لترتسم معالم المدن والمساحات الخضراء التي لا تنتهي عند اي حد وقد فتنتني بجمالها قبل أن تطئ قدمي أرضها .
صفق الركاب لقائد الطائرة بعد أن هبطت برفق وهوينة ونزلنا جميعنا باتجاه المخرج يتبع واحدنا الآخر كسرب النمل إلى أن وصلنا إلى إلى بهو كبير ينتهي بدعائم تشكل ممر قسري ينقسم بعدها إلى فرعين يعبر من أحدهم المواطنين لمجرد ابراز جوازهم والممر الآخر نعبر منه نحن ويختم شرطي جواز سفرنا وصلت إلى الشرطي مقدما له جواز سفري بكل اطمئنان منتظرا أن يختمه لي, لكنه تاخر أكثر من اللازم في التفرس بين صفحاته وبعدها نادى على زميل له ليشاركة التمعن في شيئ ما ثم ناداني الشرطي إلى مكتب مجاور وقال بإنكليزية ركيكة أن تاشيرتك غير سليمة ولا يمكنك الدخول واضح أن هناك عبث في تاريخ صدور التأشيرة , قلت له بانكليزية أرك إذا كان هناك أي خطأ فهو خطأ سفارتكم ياسيدي لأنهم قد عدلوا لي تاريخ التأشيرة بعد صدورها كوني مددت تاريخ سفري ثلاثة أيام وقد راجعتهم وقاموا هم بالإجراءات وإن لم يضعوا الختم فهذا خطأهم وليس خطئي ’ بدأت تتصاعد وتيرة الحوار وكان البعض منهم يرفع صوته ويشير الي متحدثا بالإيطالية دون أن افهم ماذا يقول , لكنني كنت أردد أي خطأ ترونه فهو خطأ سفارتكم وبالإمكان التاكد والإتصال بالسفارة .
وصلت معهم إلى حوار طرشان وعلى مايبدو أن أحدهم وهو الأكثر عدوانية طلب مني فتح حقائبي واخذ يفتشها بطريقة انتقامية وينعث حوائجي بهمجية وعند احتجاجي عليه قفل الحقائب وتحدث إلى من معه وقال اتبعني .
هنا بدأت اشعر بالخطر وأن هذه الحالة تنذر بما لا يحمد عقباه محاولا إدارة أي حوار معهم لكنهم كانوا يسيرون دون اهتمام لما أقوله وأخذ مني أحدهم إحدى الحقائب وأخذوا يسرعون الخطى,وصلنا أمام مكتب شركة الطيران اليونانية ورايته يختم لي بطاقة الطائرة وبعدها ختم لي جواز السفر وقال لي هيا اتبعني .
ليس هناك من شفاعة لحالي ولا منطق لما يحصل معي, التفاصيل التي الغيتها هي وحدها تبين حجم المعاناة التي عانيتها قبل سفري والآن ماذا علي أن أفعل أمام هذه الكارثة ’ ما هي الطريقة الأمثل التي يمكن لها ان تكون في ردة فعلي وتعاملي مع الحدث .
لا أحد يعطني المجال حتى أن أفكر هناك من يدفعني كي أسرع الخطى باتجاه باحة المطار ,وأنا ابحث عن لحظة نجاة كغريق في وسط المحيط ,ولم اجد سوىتلك العوارض المعدنية كي اتمسك بها مقاوما لدفعهم لي خارج البلاد ,تمسكت بإحدى العوارض رافضا السير معهم , هنا انقض علي الأكثر عدوانية واقتلعني بكلتا يديه وساعده الآخربانتزاع يدي وسحباني باتجاه المطار بينما تقدم ثالث حاملا حقائبي وسط ذهولي وغضبي واحتجاجي الذي يضيع كأي شيء تافه في هذا العالم الحر , و لاحياة لمن تندادي .
وصلنا إلى الرصيف الخارجي حيثت توقفت سيارة صغيرة وفتح سائقها الباب وكان يرتدي ثيابا مدنية وحشروني الشرطيين داخل السيارة ووضع الآخر حقائبي في صندوق السيارة وتحركت بسرعة قسوى نحو المدرجات حيث تجثم طائرة عرفتها على الفور أنها نفس الطائرة التي قدمت على متنهامن اثينا , كان سائق السيارة يسير مسرعا وهو يردد موجها كلامه لي انا اسف جدا من اجلك أنا حقا آسف ألى أن توقف عند سلم الطائرة .
كانت السماء أكثر انخفاضا من العادة وأكثر قتامة وقد تخيل لي أن روحي قد خلعت جسدي هناك عند سلم الطائرة ومضت , شعرت بالتعب واليأس لكن هناك شيء ما بقي يحرضني على التمرد والمشاكسة , نظرت إلى الشرطي العدواني وشتمته بالعربية لقد عرف ذلك وقد أجابني حتما بشتيمة بلغته الإيطالية وقال لي إصعد إلى الطائرة قبل أن أعتقلك بتهمة العنف كان على سلم الطائرة مضيف ومضيفة يستعجلان تقدمنا , قلت لهم لن أصعد قبل أن ارى حقائبي تدخل الطائرة وفعلا هذا ماحصل فرأيت بطن الطائرة يفتح وترمي حقيبتي في جوفها .
دخلت من مؤخرة الطائرة وكان الصف الخلفي شاغرا اقتربت مني مضيفة جميلة وقالت مبتسمة تفضل بالجلوس ,أجبتها لا أريد قالت ارجوك تأخرنا عشرون دقيقة بسببك اجلس !قلت لها إن لم يعجبك الأمر انزليني ,ذهبت غاضبة وأرسلت لي شاب مهذب وأكثر منها لباقة وقال لي بكل ادب ارجوك حرصا على راحة المسافرين أن تتجاوب معنا , قلت له لا أريد الجلوس هنا أريد مقعدا في مقدمة الطائرة وبقرب النافذة,وكان الجو قد تكهرب داخل الطئرة لكنه أدرك أن مشاكستي هذه هي رد فعل طبيعية على ماحصل لي فأوجد لي مكان كما طلبت وقال تفضل أجلس.
كان جاري في المقعد يوناني في العقد الخمسين كان تعاطفه معي واضحا وكان ودودا جدا بعد أن بدأ يخفف عني الغضب ويسألني عن حالي وعرف مشكلتي ,أظهر ذلك عندما بدأ توزيع الطعام ورفضته قائلا للمضيفة وهل انا دفعت ثمن هذه التذكرة كي أتناول طعام الغداء على متن طائرتكم ؟ لا أريد , ابتسم جاري وفتح المنضدة التي امامي وأخذ طبق الطعام ووضعه أمامي , قال كل, هدأ من غضبك كل شيء سيكون على مايرام .
سأعطيك عنوان السفارة الإيطالية في أثينا ربما تستطيع أن تصلح وتنقذ ما يمكن أنقاذه , راقت لي الفكرة قليلا وقلت له كثر الله خيرك وفعلا كتبت العنوان وعدنا إلى مطار اثينا من جديد وسرت على نفس الخطى التي سرت عليها ليلة أمس , لكن هذه المرة استوقفني الشرطي وقال لي تفضل معي

-3-

حاولت لملمة أفكاري وأستيعاب الموقف , قلت له ما الأمر لقد خرجت ليلة أمس دون مشاكل , أجابني نعم لأنك في الأمس كنت تحمل اذنا للدخول على عكس اليوم قلت له عذرا لم أكن أتوقع أن عود مرة ثانية وبهذه السرعة ,قال لي انتظر ونادى رجل امن قادني معه باتجاه قاعة الترانزيت وهو يشرح لي الأمر وبعد أن نظر بتذكرة السفر قال عليك الإنتظار هنا وأشار بيده إلى مكان منفصل عن البهو والممرات يوجد أمامه حراس اثنين من الشرطة يجلسان حول طاولة صغيرة وخلفهم باب يؤدي إلى ممر مستحدث من الجدران الجاهزة وغرفة من نفس الجدران المستعارة وغرفة ثانية من الإسمنت يوجد بها دورة مياه .
قال لي الشرطي تفضل عليك بالبقاء هنا لغاية يوم الثلاثاء القادم أي أمامك هذه الليلة وغدا السبت وبعد غد الأحد وبعد بعد غد الإثنين في صباح الثلاثاء رحلتك إلى دمشق الساعة العاشرة والنصف أرجو لك إقامة هادئة وذهب .
دخلت إلى الغرفة الاسمنتية تحاشيا لدخولي لوجود بعض النساء فوجدتها عامرة بالوجوه الفالحة والكالحة .
لم اجد اي عربي غيري وكان معظمهم من افريقيا وأقول لا يوجد عرب لانني تعرفت على ثلاثة شباب قالوا لي أنهم من السودان لكنهم لا يتكلمون العربية , وكان رجل افريقي مبشر ويوزع صفحات من الإنجيل بطريقة غبية وبعض الاسويين , وضعت حقيبتي قرب دكة من الجلد تسمح للمرء أن يستلقي بجسده عليها وزرعت نفسي في هذا المكان قبل أن أبدأ بالتعرف على المكان واقتربت من الحراس ونحن لدينا عقدة الخوف من الشرطي هذا الشعور أقوى منّا .
قلت له أريد الإتصال بسفارة بلدي , وكنت بقرارة نفسي أتمنى أن يرفض طلبي , لأن مطلبي هو شيء آخر , قال ماذا تريد من السفارة أنت تنتظر رحلتك وليست لديك أية مشكلة معنا .
قلت له أنا اريد أن اسوي وضعي مع السفارة الإيطالية وشرحت له الموقف , قال لي لن يستطيع أن يساعدك أحد في هذا الامر وبدأنا نتبادل الحديث وكان هذا الشرطي ودودا ولبقا بحيث شعرته قريب جدا مني واخذ يمدني بالنصائح خاصة حين تواقح بعض زملائه بالتعامل مع فتاة تشيلية كانت قد أصبحت صديقتي وهذه قصة لن أحذفها كون طياتها ومضمونها إنساني ونزيه .
كان من المفروض أن نشتري طعامنا من مطعم (سناك) قريب من المطاعم الذين يكثرون في قاعات الترانزيت , يذهب برفقة الشرطي الأقدم في المكان ويشتري للجميع بعد أن يسجل الطلبات ويستلم الدرخمات من النزيل .
في اليوم الثاني كنت أنا قد أصبحت أقدم النزلاء وكان علي أن اذهب برفقة الشرطي الذي اصبح صديقي وكأنه نسخة عن أحدما أعرفه من قريتنا وهناك لمست حجم الطيبة والتشابه بيننا نحن وأهل اليونان وقد تحررت من عقدة الخوف نهائيا وكنت امازحه في الطريق وأهرب امامه وكأني أريد الهرب فيجري خلفي مداعبا( مثل توم وجيري) وهكذا قد أصبحنا فعلا اصدقاء .
يوم الاحد وكان اليوم الثالث بالنسبة لي استيقضت على صوت نسائي وكانوا في الغرفة الثانية بعد أن قل عدد النزلاء ولم يكن أحد في غرفتهم وكان معي نزيلان فقط .
خرجت حيث الممر المقابل لغرفتهم كي اتطلع على الأمر رايت فتاة بها من الجمال ما يكفي لمغازلتها وأشرت لها أن تقترب مني هزت راسها ولم افهم ماذا تريد أن تقول .
اقتربت منها وحدثتها بالإنكليزية مشاء الله كنت أحفظ بعض الكلمات , أجابتني باللغة الإسبانية وقالت أنها لا تتحدث الإنكليزية ,في نفس الوقت فهمت أنها تعاني من وجع الضرس , قلت لها ابشري كان معي علبة أسبرين استسمحت الشرطي أن اذهب إلى حيث حنفية الماء المبردة فسمح لي, اتيت لها بالماء وحبة الدواء , كان لموقفي اثر طيب فأيقظت صديقاتها لأن إحداهن تحفظ ثلاث كلمات انكليزي وهكذا تعارفنا وهن كن قادمات بعقد عمل للرقص الفلامنكي , وكوني مازلت خام وشقفة مقصور بيضاء كنت حذر جدا من السقوط بخداع النساء ,عند موعد الفطور قلت من يريد فطور قالوا نحن , قلت موني دراخما , قالوا لا نملك فلوس , قلت لهن على رأي المصريين اللي مامعوش مايلزموش ,جلبت الفطار لي ولبعض من أرد وهن ينظرن بابتسامة صفراء جعلتني أتذوق الطعام كالصبر , مرددا بنفسي إذا كانوا حقا لا يملكن فلوس اليس من الواجب اطعامهن وقارنت الموقف بكل صراحة مع شاب من سيرلانكا كنت قد اشتريت له ثلاثة وجبات , فاقنعت نفسي أنني ساساعدهن من منطلق انساني بحت ليس لأنهن نساء وجميلات .
عند اقتراب الغداء طرحت عليهن نفس السؤال أجبن لا شكرا لا نريد شيئا ,قلت لعدم توفر النقود؟ أجبن طبعا .
قلت لهن إذا كنت متأكد أنكن فعلا لاتملكن نقود ولا تخدعوني سأشتري لكم الطعام وكانت قد توطدت المعرفة أكثر فقررت أن أجلب لهن الطعام .
أنا أطرح هذا الموضوع ليس عبثيا بل كي أشير الى امر يستحق الذكر , كما قلت سابقا قد يكن الموقف مع ثلاثة رجال وكنت سافعله بالتأكيد و لكن بعد ذلك كن يتصرفن معي بطريقة تجاوزت اللغات والفوارق والمسافات والصفات كنت اشعر المحبة والإحترام في تصرفاتهن معي, وبدأت أشعر أن مايربط هؤلاء الناس هنا هو المكان والمصير المشترك كنّا نشعر أننا عائلة واحدة كيف لا وقد تقاسمنا المكان والطعام والخوف والإنكسار .
كان أحد رجال الشرطة يدخل ويتجاوز حدوده مع إحداهن وهي الأصغر سنا في الغرفة التي نتواجد فيها , فشكوت لزميله الذي اصبح صديقي وقلت له أنه يتجاوز حدود اللياقة .
قال لي اصغي جيدا , نحن ممنوع علينا أن ندخل إلى مهاجعكم وانت تستطيع ان تطرده وقد وصف لي رئيسهم وقال لي اشكيه له وسترى .
هذا ماحصل فعلا دخل ووضع يده على شعر الفتاة فوقفت أمامه وأبعدت له يده وقلت له اخرج من هنا فورا وإلا أدعو رئيسك الآن وأعمل لك قضية وكنت لا اصدق نفسي بعد أن رايته يبتعد كالفأر.
بعد قليل جاء احد المتعهدين وسحب اثنتان من الفتيات فبقيت واحدة منهن معي وكن يشعرن بالامان بسبب وجودي ولم تمضى ساعة واحد إلى دخل علينا شاب طويل عريض يتحدث اليونانية مع الشرطي فاعتقده انه احد رجال الأمن , دخل علينا والقى التحية فرددنا بمثلها سألني من اين انت وهذا السؤال الأول في مثل هذه الحالات , قلت له من سوريا فصرخ بلهجته الساحلية (شو متعمل هون) فحكيت له القصة قال وصديقتك قلت له عرفتها هنا وهي لا تتحدث سوى الإسبانية قال أنا أتحدث اليونانيةوالاسبانية والانكليزية والفرنسية والبرتغالية قلت له يكفي يكفي .
فجأة دخل علينا رجل في عقده الخامس وعليه هيبة الرجال المحترمين بحركة مني لمساعدته حددت موقعه في الغرفة وسالته من اين أنت ؟ قال من إيران , قلت له تفضل بالجلوس ماهي حكايتك .
قال أنا أعيش في بريطانيا وكانت زوجتي الأميركية تعيش معي ثم عادت مع ابنتي إلى اميركا وأنا احاول ان أتبعهن منذ عامين ولم أتمكن بسبب بسبوري الإيراني فزورت بسبور واكتشفوا أمري هنا ثم فتح حقيبة جلدية فيها من الالوان وريش الرسم واختار زاوية على الجدار وهي مربع مقسوم بشكل طبيعي مع الإيطار المعدني وأخذ يرسم كالساحر , حاول الشرطي ان يتدخل قال له لا انصحك وقد أترك لك هنا ثروة وهو يتابع.
تجسد على الجدار وجوه خمسة تمثل سكان القارات وعمق من الالوان التي توحي بيوم القيامة وقيود تلتلف حول الوجوه وطائري حمام تخترقهم النبال .
كان هذا المشهد هو الخاتمة المتميزة بعد أن ودعنا صديقتنا وكان اسمها بيرلا أي جوهرة وافرغنا بقايا دراخماتنا في يدها أنا وصديقي سمير الساحلي وتوجهنا إلى الطائرة في صباح اليوم الثاني حوالي الساعة العاشرة والنصف عائدين إلى دمشق , وهنا بدأت حكاية أُخرى .


-5-

كانت سلسلة جبال القلمون القاحلة الجرداء توحي بالظمأ والكآبة وكل ماقتربت الطائرة من مطار دمشق تقترب مني تلك الفكرة أكثر ويزداد تشائمي أكثر .
هبطت الطائرة وكنت أسير ببطىء وتوجس باتجاه المخرج وأنا لا أقوى على النظر في وجوه المارة كجندي عائد من حرب خاسرة وينتظر ان يتحمل هو وحده المسؤولية عن تلك الهزيمة .
كانت المرحلة التي سبقت سفري استثنائية كل شيء كان فيها استثنائي بما فيها ورقة عدم الممانعة وهنا كان كل القلق والريبة , وصلت إلى عنصر الأمن لم يستغرب أو ينتبه لتاريخ خروجي وعودتي خاصة أنني اكتشفت أن هناك تجار شنطة قد سافروا معي وعادوا معي ,تقدمت إلى شريط الحقائب وأخذت حقيبتي وأنا لا اصدق نفسي حيث خرجت من باب المطار الخارجي , لم اكن ميسور الحال وكانت رحلتي الأولى قد استهلكتني وحتما كان علي أن ابدأ رحلة العذاب من جديد بين متابعة اجراءات السفر من الفيزا إلى بطاقة الطائرة وما يتوجب لذلك .
طبعا عندنا مثل يقول (إذا وقع البيت معش الخوف على الكواير )لذلك بعد أن خسرت بطاقة الطائرة وبعض المصاريف التي لم تكن قليلة قررت أن أنتقم من نفسي وأجني عليها أكثر أخذت تكسي من مطار دمشق إلى القرية لأنني أشعر بضرورة الهروب من دمشق والعودة إلى البلد بأقصى سرعة .
وصلت إلى البيت كان فارغا لا يوجد به أحد فوجدتها فرصة كي أغتسل بعد خمسةأيام من الإنتظار في المطارات وبدلت ثيابي وذهبت بعدها إلى بيت شقيقتي لم أجد أحد قالت لي أخت زوجها أنهم ذهبوا إلى حفلة زفاف في القرية المجاورة حيث كان العريس أيضا صديق لي قررت اللحاق بهم وكانت المسافة 4 كم.
كان المساء قد أحل على المكان وبدأت العتمة تنتشر قليلا حين دخلت دار العريس وكانت هذه الليلة الثانية حيث تواجد الأصدقاء المقربين والاقارب .
لكم أن تتخيلو المشهد لأن العريس كان قد ودعني قبل ايام ووالدتي وأشقائي كانوا ينظرون نحوي غير مصدقين .
حيث دخلت شاهرا ابتسامتي العريضة تسيقني تعليقات طريفة لأمتص عامل المفاجأة التي ارتسمت على وجوه الأهل والأصدقاء وتوجهت بالحديث إلى شقيقتي التي كاد أن يغمى عليها حين رأتني وهي تردد لماذا لماذا أنت هنا؟ .قلت لهم لقد نسيت فرشاة الأسنان وعدت كي آخذها على الرغم أنني لست من المثابرين على غسيل أسناني ., وانهالت علي الاسئلة عن سبب وجودي والبعض منهم اعتقد أنني لم اغادر من اصله ربما كنت موقوفا بالمطار , قضيت السهرة مع المحتفلين وعدت مع افراد اسرتي لأبدأ من جديد الإعداد للسفر لكن هذه المرة في ظروف مادية أكثرصعوبة من قبل .
توجهت إلى السفارة وقلت للموظف الذي ارتكب هذه الحماقة . .. اسمع لقد عدت من ميلانو بسبب سوء تصرفك حين صححت التاريخ ولم تمهر ختم السفارة وقد تسببت بخسارة مادية لي تفوق طاقتي ,أنا أعلم علم اليقين أنني استطيع أن احملكم المسؤولية وأدفعكم العطل والضرر لكنني لن أفعل ذلك إذا أنت احسنت التصرف وقمت بإعطائي تاشيرة جديدة للدخول نظيفة وفضفاضةهذه المرة.
بالطبع قد فهم رسالتي جيدا وقام بسرعة لإعطائي تاشيرة الدخول معفاة حتى من الرسوم .
كنت قبل سفري قد عملت على تحويل مكان سكني في دمشق وعملي ايضا إلى أخي الأصغر والآن لم يعد مقبولا على صعيد أخلاقي في مقاييسي على الأقل أن أستعيد العمل ريثما اعيد تجهيز نفسي لذلك وجدت نفسي عاطلا عن العمل في مرحلة كنت في أمس الحاجة أن أجمعفيها بعض المال .
وكان من الصعب علي ان ألجأ إلى حلول سهلة كبيع قطعة أرض مثلا لأن ذلك كان بالنسبة لي امرا مستحيلا فوجدت نفسي عاجزا ومشلولا ولم ينقذني سوى عدد قليل من الاصدقاءوبعض المكرهين على مواقف النخوة واكنت هذه المناسبة المحك لبعض من يدعي الصداقة هنا كان الاصطفاء الطبيعي للناس والاصدقاء والاقارب حيث تتضح المسافة , سقط من سقط وتنحّى من تنحىّ وبقيت مجموعة من الأصدقاء تقف إلى جانبي وتدعمني معنويا وماديا وقد اكتشفت فيما بعد أن أن زوجة صديقي قد رهنت ماكينة الخياطة لشخص اقرضنا فلوسا على الفائدة وهؤلاء الاصدقاء صديقي وزوجته هم في ذمة الله اليوم رحمهم الله .

-6-
عدت من جديد للسير في مسيرة الإجراءات والإعداد للسفر مرورا بإدارة الهجرة والجوازات والوقوف أمام مزاجية وأطماع الموظفين اللذين تعودوا على الرشوة كنت قد عانيت في تعقيب المعاملات في المرة الاولى بسبب قريب لي يساعدني على بعض المعاملات كي اتجنب شجع الموظفين , لكنه كان اكثرهم بشاعة واقلهم وجدانا وأكثرهم صفاقة ,كانت التعقيدات المصطنعة من قبل بعض الموظفين رسائل واضحة للرشوة لكنني كنت اتحمل الأعباء دون ادنى انصياع لرغباتهم , على مابيدوا أن احد الموظفين المسؤولين عن اعطاء ورقة المقيم لم اكن أروق له بعد أن حفظ وجهي وربما قد رآني ثقيل دم كوني لم أتعلم فنون الرشوة كوني اخجل من هذا الفعل وحفاظا على مشاعر المرتشي من الإحراج لأنني كنت أتوقع أنهم بشرا ويعرفون الخجل .
,وقفت بالصف الموجود أمام الوظف وكان امامي حوالي عشرة اشخاص حين وصلت أليه نظر ألي ببراءة وقال التزم بالدور كالآخرين لوسمحت . .. أجبته انه دوري كما ترى والجميع رآني أنخرط بالصف ... أجابني لا لا دعك من هذه الشطارة وخذ دورك ... قلت لمن خلفي يا شباب الم تروني أقف في الصف حسب الأصول ؟ لا أدري ماذا حصل للناس كأنما شيئا اكل ألسنتهم لم يتحمس احد للشهادة وكان الموظف مصرا على موقفه ...لكنني وقفت ومنعت الشخص الذي ناداه من التقدم وقلت هذا دوري ......... قال الموظف إذا لم تلتزم ساحيلك إلى مكتب النقيب .... قلت له احلني حيث ما شئت أنا لن اتخلى عن حقي تلاسنت معه وأنا من أصحاب الصوفة الحمراء كما يقولون لكنني امتطيت خيول المتبجحين وقمت بخطبة عصماء محذرا الموظف أن هناك من سيحاسبه على فعلته ووضعته في موقف حرج ونهض كي يخيفني وقال هيا إلى مكتب النقيب فمشيت معه وفجأة توقف عند الباب وقال أعطني جواز سفرك فاعطيته اياه , ابتسم كالمنتصر حين رأى التاشيرة وقال ههه انت مقيم في الخارج وتريد ورقة مقيم الآن ساحيلك إلى الأمن السياسي , قلت له هذه تاشيرة دخول ولسيت إقامة ... قال لا تخادع هذه إقامة , قلت في قرارة نفسي أنا سأحسمها .
وقمت بفعل جريء أخذت من يده الجواز وقرعت الباب ثم دخلت على النقيب محتجا ومعاتبا مبيناََ له الأمر شاكيا الموظف الذي اساء معاملتي ومبينا له أن هذه التاشيرة التي دخلت وخرجت بها من إيطاليا واليونان عائداّ إلى الوطن .
أخذ النقيب الجواز من يدي وتصفحه متأملا مدققا في التاشيرة وكانت واحدة مكتوبة باللغة الإيطالية والثانية باللغة اليونانية قال أنت متأكد أن هذه ليست إقامة ... قلت له أنظر بنفسك إنها تاشيرة دخول.... قال انتظر كي يعود المساعد حسين فهو الوحيد الذي يعرف لغات اجنبية , وقفت مندهشا وكدت أن أنفجر لولا حساباتي وتعقلي والإنغلاب على امري , أخذت جوازي وخرجت إلى الموظف قال مبتسما ما الأمر ...قلت له أين المساعد حسين قال لي في جيبتي راسما تلك الابتسامة الصفراء , في هذه الاثناء كان موظفا على الطاولة المجاورة يراقب كل ما حدث بصمت نظر نحوي وناداني قائلا تفضل بالجلوس , جلست وأنا أحمد الله على وجود أمثاله , قال لي ماقصتك ؟.. فرويتها له...... تاثر جدا لما حدث لي وقال اعطني الجواز ونهض من مكانه وقام بالإجراءات وأتم لي معاملتي فودعته شاكرا وما زلت أذكره بالخير وبالمناسبة هو من محافظة درعا .
هكذا بدأت مرحلة اخرى للتجهيز وإعداد الحقائب والمبالغ المطلوبة لإعيد الكرة مرة أخرى وبحمد الله تمكنت من الدخول في هذه المرة وبدأت رحلة جديدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taisir.yoo7.com
تيسير نصرالدين
Admin


عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 26/12/2010

مُساهمةموضوع: لعنة الاشتياق   الأحد ديسمبر 26, 2010 11:12 pm




كان صوتها يتقطّع باختناقات مرتعشة كلما ابتلعت عجاف ريقها لاثمة شفتاها الجافة
متذوقة ماينهمر من حر الماقي كل ما اقتربت من مكامن الكبوات ومكائد الرغبة .
في بداية الحديث كانت تعابير وجهها خافتة منظفئة ونظراتها تنضوي على بعض التوجس والريبة ووافر الخجل ولاإنكسار ,لم تسترسل كثيراَ عن كيفية زواجها , اكتفت ان تقول ..
.كنت كأية فتاة من فتيات هذا المجتمع الريفي الصغير,انتظرأول من يطرق باب اهلي طالبا للقرب , واضعة الحلم في زاوية سرية من عتمة خاطري انبشها عندما اخلدإلى نفسي واوقظها في غفلة حيث يتسنى لي ممارسة طقوس الشرك والعبادة, ,هنا فقط كنت اتخطى جميع حواجز الأرض والسماء كي اصل إلى أعمق نفحة من أنفاسه قبل ان تتركني رماداَ لتذريني رياح الواقع.
كنت بارعة في رسم أجمل الصور لفارس الحلم وكنت اجعله ألأكثر وسامة والاكثر شجاعة وسلطاناَ من جميع ملوك الارض ,بقي الحلم ناصعاَ متمرداَ إلى ان جاء من يطرق بابنا ,وكان الطارق ابن خالتي و جارنا في السكن الذي تعودت ان اراه باستمرار منذ ايام الطفولة وكبرت برفقة شقيقتته التي تقاربني السن والحلم والمصير , جاء الوسطاء لطلب يدي من والدي , قال لهم والدي بعد تداول الحديث المعتاد والمتعارف عليه والمليء بالمجاملات والأستعراض ,و كان والدي اكثر المستعرضين حين قال لهم حسناَ إن شاء الله خيراَ انااعطيتكم إذا الله عطاكم... لكن من الواجب ان اسال البنت رايها , لااذكر ان كان والدي سالني او كلف والدتي التي قالت لي ان خالتك تريدك لابنها وجاؤااليوم وطلبوكي من والدك وقد أعطاهم والدك الكلام, هل لديك اعتراض؟,فكان جوابي كمعظم بنات جيلي أنتم أدرى مني بمصلحتي خاصةانني لم اكن ارى بابن خالتي ما يعيب وكنت استلطفه ايضاَ واكن له مشاعر قد تكن روابط القربة او عشرة الطفولة تركت هذه المشاعر الطيبة نحوه ’
هكذا بهدوء وبكل بساطة تمت خطوبتي على ابن خالتي وكنت راضية بل سعيدة بذلك ,
وكان الشاب وسيما ورشيقاََ ولا تعيبه ذمامة او بدانة وكان بدوره يبادرني بتصرفاته ولباقته ما يشجعني على قبوله ويدفعني لعقد رابطة وقصة حب تلامس حرارة مشاعري وعطش صباي المتاهب للحب,وكانت الخطوبة عبارة عن الاذن الرسمي لمثل هذه العلاقة إذ اتاحت لناالحديث على انفراد مما يساعدعلى تكوين بعض قصص الحب الحقيقية .
بعد حوالي عام من الخطوبة تم زواجي من ابن خالتي وكان لقائي الاول معه في خلوة انتظرتها بخوفي وقلقي وفضولي طالما سمعت الحديث عن هذه الليلة من بعض النسوة اللواتي يتقارصن الحديث بصوت اشبه الى الفحيح مما يدل على خطورته وسريته ,وكن البعض يطلقن العنان للتفاصيل والغوص في خبايا تبعث في جسدي ارتعاش و صقيع حار تتناغم معها خفقات متسارعة بين ضلوعي
كانت بعضهن تشد على معصم الكلمات لتمسك بهن وتقودهن إلى مسامعي على الرغم من الحذر الذي يتظاهرن به لسرية الحديث وعدم بوحه أمام فتاة بمثل عمري لم تكمل السابعة عشرة بعد , تشكلت عندي من خلال هذا التهامس صورة مرعبة للقاء الاول برجل يعطيه المجتمع صك الإفتراس بل يدفعه إليه كي يثبت رجولته إذااتم عملية الافتراس بسرعة فائقة ,كنت ارتعد عندما اتذكر هذه الاحاديث وتقول احداهن انها موتة تمهيدية للحياة الزوجية ,هكذا وبقلب يرتعش قابلت مصيري كشاة يعد لها ذبحها,واختلطت مشاعر الخوف بالرهبة والرغبةوالفضول .كان الامر مختلفا عما سمعت وعما تصورت وكان لقائي بزوجي للمرة الاولى لقاء حميماََ وكان هو اكثر ارتباكاََ مني’ ومن خلال خوفي وارتباكه سارت الامور بشكل اقل تشنجاََ وبعد أن تبددت المخاوف وكان التلاقي وصالاََ واحتراق اوشغفاََ و كانت الرغبة هي التي تضبط إيقاع اللعبة , تكسرت حواجز الخوف وانحسرت السدائل عن الكنوز المخبئة وتخطينا امتحان التعاقد الزوجي بنجاح , ََلكن.. كان زوجي في تقاربه مني أسرع مما توقعت , قلت من المبكر الحكم عليه مازلنا خائفين ومرتبكين وقليلي الخبرة ولا بد ان الألفة ستسوي ذلك فيما بعد, لكن الحال بقي على حاله في كل مرة كان زوجي سرعان ما يستكين وينكفىء بعد ان يفضي ما تختزنه الرجولة في مشاعي كنفايات لا تترك سوى الرائحة الفاسدة ,ثم يتركني على مضاجع الحرمان أتصارع مع حرقة الوجد وحمة الجسد دون سكينة د ودون هجوع لمااستفاق من ضواري الرغبة الجائعة , هكذا بدأت لقاءاتي الزوجية وكنت أظن أن هذه الحالة هي حالة مؤقتة, لكن بعد أعوام اربعة وبعد انجابي مرتين لماتذكر انني حظيت كأنثى بتلك اللحظة الاخيرة التي تهدأفيها براكينالجسد وتخمد حمم الرغبة اللاذعة طالما وهنت بحجة الاستسقاء, لم يحصل لي هذا مطلقاَ .كنت ابذل جهداَ صامتا دون البوح المباشر ودون جرأة بالتطرق للموضوع مع زوجي ,فالحديث في هذا الامر شائن حتى بين الازواج خاصة تناول التفاصيل أو المشاكل الناتجة عنه , الجنس كلمة نثير الحفائض والحديث عنه يتناقض مع تربة أنتجت تربية الخوف او الاقتراب من الجوانب الجنسية في المشاكل الاجتماعية على الرغم من تفشيها كوباء الكوليرا .
أصبحت المساءات مواقداَ تتقد بها رغبات الأنوثة العارمة في جسدي,صار للينداءات وللصمت الق يشبه صوت الاحتراق ,كانت غلائف جسدي ترشح من مسماتها عرقاََ تثلثه فتخدرالثمالة أوراق روحي,لم أعد أقوى على هذا التعشق الجامح في أجزاء مني,أصبحت التفاحةالتي انهى الرب عن تناولها تغريني بل تحرضني ,وكانت دعوة الافعى التي اغوت حواء الأولى تتناغم
مع جميع غرائز جسد وتشدني ,فكانت أفعى النفس اشد اقناعاََ من افعى الجنة ,كانت تقول لي
الم يوصي الرب حواء بعدم الاقتراب من تلك الشجرة بعد ان غرس الفضول في خلدها والحب في جسدها
ألم تكن حواء محقة في قطف هذه الثمرة الذيذة أ و ليس هذه حكمة الرب الحتمية لبناء هذا الكون وتكاثر الخليقة ؟, ولماذا حكم الله على المرأة بالأشتياق إلى رجلها ..ما طعم للجنة واية متعة للعيش دون حب وعشق واشتياق
اتذكرين ماذا قال الرب للمراة حواء بعد ان اخرجها من الجنة ,تحدث الرب عن الاشتياق وهذا الاشتياق هونعمة من نعمه وليس لعنة من لعناته , لو لم تكن ارادة الله في ان تاكل حواء التفاحة لما قدّر للأفعى ان تغويها

-2-

كانت الفكرةقد نضجت في خلدي واصبحت مهيأة لقطف ثمرةالخطيئة طالما حرمني لرجل الذي أودعته مفاتيح جسدي من تذوقها ,والفرصة الاولى قد سنحت لي مع جارنا منصور احدالمقربين إلى زوجي ومن رفاق طفولته لا يزال عازباَ وكان يتردد علينا كثيراَ وكنت أتعامل معه بشكل اعتيادي وبغير تحفظ , لكن بعد ان نضجت فكرتي وبتت ابحث عن تلك الثمرة المحرمة اختلف كل شيء بيننا دون مقدمات لقد تغيرهو فجأة بنظرته ونبرة صوته وطريقته بالكلام , ربما كان الارق في صوتي و ذبول جفوني قد أباحوا له بشيء ما وربما قد شجعته نظراتي الواثبة إلى محاجر عينيه ,أصبحت بيننا لغة ثالثة ولدت مع تصرفاتنا المرتبكة وشعورنا المتغير واصبح يبادرني ببعض الكلمات الساخنة ويحاول الاقتراب أكثر مما تسمح به الجيرة والصداقة , وكنت اتجاوب مع ايقاعه العابث بدوافع شتى, إلى أن حان اقتطاف تلك الثمرة المحرمة وتم الحديث بيننا على لقاء يكون ذلك ممكنا ,وقال لي بلهجة واثقة لا عليكي ساتدبر انا الامر, وعندما سالته كيف وأين ؟؟,قال لي سيكون اللقاءهنا وساقوم انا بابعاد زوجك من البيت واجعله ينسى أسمه بتوفير ما يحب ويشتهي في سهرة مع الاصحاب تكون في بيتي .
قال لي زوجي الليلة ساتاخر خارج البيت وستكون سهرتنا ( صبّاحية )اي حتى الصباح وبدأ يعد لي أسماء بعض المدعوين إلى تلك السهرة وهم من سمرائه التقليديين في لعب الورق وطبعاََ سيتخلل ذلك بعض المشروبات الروحية وكان يبتسم معلقاَ الليلة سيكون شريكي عماد وقد اتفقنا على منصور هو جارنا صاحب الدعوة متابعاَ لقد علمنا ورق اللعب ونعرف لمن سنطعم الختياوستكون تصفيات في لعبة الليخة .
خرج زوجي من بيتنا إلى بيت منصور المجاور والذي يفصله عن بيتنا ذلك البناء الروماني المهجور والذي يصلح نقطة للعبور بين دارنا ودار هذاالجار لمن يجد الشجاعة للمرور به ليلاَ لما يثار حوله من احاديث وحكا يا مسحورة عن عرائس الجن واشباح الليالي المظلمة .
وما كان على منصور أن يسلك غير هذا الطريق لقصر المسافة وسترة الليل وأمكانية التخفي ,
كانت الساعة الحادية عشرة تقريباَ حين وصل وكنت أنتظرمنذاكثر من ساعة بعدان رقد الاطفال في فراشهم واستغرقوا بنومهم , أعدت نفسي كانني عروس ازف من جديد .
كنت أتوقع انني سأقضي حرمان السنين بتلك الدقائق المعدودة ,,اثأر لسهري ووجدي عن كل مرة تركني بها زوجي مبعثرة في صقيع فراشه ,لم افكر باكثرمن هذااللقاء ولم افكر ماذا سينتج عنه, بل كنت أتوق إلى تلك السكرة التي تشبه سكرات الموت لأغمض عيني على كل ما فاتني من حرمان وضمأ ,
كان الشعور بالخوف والرهبة يزيد من رغبتي ويزيد من تسارع انفاسي وايقاع صدري , فتحت لخواطري جميع نوافذهاواطلقت حبائس روحي إلى حيث ينبجس الحلم كي تتمكن من اقتطافه بكراَ
ربمااكون افرطت جداَ بصبوة نفسي وأسرفت بإعدادالموائدوالأوني الفارغة, ربما خدعتني افة روحي
أوقدت لزائري نار الهوى ونور المصابيح واشرعت له معابر الجسدوومسالك الحصون التي كانت محصنة ,كان عطش المواسم ينتظر غيثا يعادل خطيئة الاستسقاء َوقربانها َ.
اية خيبة هذه التي حلت بي واية كارثة صعقت بكياني , غادر الزائرمسرعا , بعد أن اضرم نار الخطيئة, كغازِ يعيث بأمن الديار دون أن تغتويه الغنائم ,غزى ولم يسرج خيلاَ أويثقف رمحا,وليست عليه ملامح الفرسان ,ولا يتقن فن الرماية ,أتيت به كي يعالج جرحاَ أضاف إلى الجرح جراح , تاركاَ خيبتي تقتفيهاالخطيئة ,جائني مسرعاَ كمن يريد نارا و ليس كمن يخمد النار .
قمت الملم اشلاء روحي ,اشد مازر عفتي المستباحة وماذا يفيد الندم ,
استفقت من غفلتي وذلي على وقع اقدام تلاها صوتا امام الباب افتحي أنا شاهر ,وهذا كان شقيق زوجي الاصغر طالب الحقوق في السنة الثانية ,تلكأت كي أسوي ماعلي وانظر في المراة ربما ترك الغازي بعض عتاده ,لكن شاهرطرق على الباب بانفعال وقال الا تفتحي يا زوجة اخي ,
فتحت له وقلت تفضل ياشاهر لكن الوقت متاخراَواخاك ساهرا خارج البيت , قال اعلم .اين اخي واعلم مساهره ومساهرك .
شعرت انني اكاد ان اسقط على الأرض خاصة عندما رأيت وجه شاهر الذي لم اراه من قبل على هذه الحالة وكأنني اعرفه للتو ,قلت متعلثمة نعم انه في بيت جيراننا ,قال دون مقدمات ماذا كان يفعل منصور عندك إذا كان زوجك في بيته وحاولت الرد, قال.. اصمتي اصمتي ليس في الأرض ولا في السماءمايشفع لفعلتك الدنيئة , ولا في اللغة كلاما يسعفني لا في التانيب ولا في الصفح أنك غارقة في وحل ذاتك وأغرقتينا معك .
كان شاهر يشيح بوجهه عني باتجاه الجدار كأنما يخاطبني من خلاله ,وكنت انا مذبوحة من من وريد كرامتي إلى وريد روحي واشفق على شاهر وعلى اطفالي وزوجي , ابصق في داخلي ما تبقى من لعاب في فمي محاولة ان الجم الغثيان الذي اصابني والاشمئزاز من هذا الجسد اللعين الذي مازال يحمل راسي ,قلت لشاهر لن اطلب منك ان تغفر لي فأنا اكثر منك سخطا على نفسي , لكنني ارجوك ان لاتسيء إلى نفسك بي ولا تحمل نفسك وزر خطيئتي ,
لكن يابن خالتي اقسم لك انها الخطيئة الوحيدة في حياتي وسأدفع ثمنها و لكن اريد ان اقول لك هنا في الجوار وفي كل بقعة من بقاع الأرض خطّائين وخطائات وهناك من يستمر بالخطيئة جيلا كاملاَ دون أن يقع في شرك الفضيحة , هذه خطيئتي الأولى والأخيرة لكن دعني ادفع ثمنها بمفردي ,قال شاهر , ويحك ياابنة خالتي ويحك ..... كيف ستدفعين الثمن وباية طريقة بمفردك , هذا مستحيل وأنا لا ادري باي منطق أعالج عملتك هذه ,في عرف المجتمع وفي عرف الشريعة وحتى في عرف الشعراء والادباء والحقوقيين لا عزاء لزانية ولا شفاعة لخائنة, و لايسلم الشرف الرفيع من الاذي – حتى يراق على جوانبه الدم , هذا هو الثمن الذي يريده المجتمع من زانية ,
وقد اختنق صوت شاهر حين لفظ كلمة زانيةللمرة الثانية ... ثم تابع
أنا طالب القانون وصاحب الشعارات والمبادىء, المتمرد على الموروث والعادات والتقاليد البالية أجد نفسي وجها لوجه وصاحب القرار الوحيد لمصيرك ومصيري ومصير الجميع ,
قلت ياشاهر اقسم بالله العظيم إذا أنت حكمت علي بالموت لقتلت نفسي وارحتك من وزر قتلي, وإن داريت وتركتني اكفر عن خطيئتي ستجدني امراة لن تقارب الشائنة والخطيئة ما حييت ,
قال شاهر لكنك حكمتي علي انتِ بالعذاب طيلة عمري وحكمتي على نفسك بالسقوط إلى ................
وتابع شاهر لقد انتابني الشك في تصرفات هذا الوغد وعندما اختفى فجأة لا أدري ماالذي جعلني اتي الى هنا ربما تصرفاته مع اخي واحتفائه الزائد به واصراره على ان يسكب له الكأس تلو الاخر واصراره ان يبقى اخي في اللعب وانزلني مكانه قبل ان يختفي قد أثار ظنوني وعندما وجدت الضوء الخارجي مطفىء على غير عادة تعمدت الانتظار قليلاََ إلى أن رايت هذا القذر يخرج من بيتك كاللص وكدت ان اهجم عليه لكن غلّبت عقلي على انفعالي كي اداري الفضيحة عن أخي وعنك فأنتي عرضي ,
لكن ثقي باني ساحتقرك ما حييت ولن اغفر لك ولن انسى فعلتك هذه , سادعك تعيشين بأمان من اجل أخي وطفليك لكنني لن اقبل مطلقاََ ان احتكم للعقل مرة اخرى إذا رايت عليك شائبة سأخنقك بيدي ,
لم أكن اصدق نفسي أن شاهر سيترك الامر هكذا حين استدار وخرج دون أن يضيف شيئاََ عما قاله ,
وبقيت خائفة وغير واثقة من ان شاهر قد يخفي الأمر عن اخيه ,وعشت ايام من العذاب والتانيب إلى أن مر على هذه الحادثة شهرها الاول وتيقنت ان شاهر قد صدق بكلامة وأوفى بعهده ,هكذا مرت الايام وقد طويت حكايتي مع نفسي محاولة بكل ما استطيع ان |اكفر عن خطيئتي مع زوجي واطفالي وقررت ان اهمل الأنثى في داخلي وابقي على الام والزوجة كراهبة نذرت نفسها إلى ديرها المقدس مدة الحياة.
انتهى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taisir.yoo7.com
تيسير نصرالدين
Admin


عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 26/12/2010

مُساهمةموضوع: الجسر   الأحد ديسمبر 26, 2010 11:14 pm



كان حضوره يبعث في نفسي السرور ويشد مسامعي على الرغم أنني لم اكمل التاسعة من عمري وقد لا يعنين مايدور من أحاديث الكبار لكنني كنت اترقب حديثه وأتابعه بانسجام, بل كنت اشاركه عوالمه التي كان يبنيها على أفق الكلام .
كانالرجل في عقده السابع وقد كساه الشيب حلة جميلة رغم ملامح وجهه القاسية وحدة عينيه الهرمة . على الرغم من تقدمه في السن كان مدخناَ نهم وصاحب نكتة حاضرة , يباغتك دائما بكلمة طريفة أو فكرة ظريفة ,حين يلتفت نحوي ويكلمني مداعبا كنت أتقبل مداعبته بمرح وسرور ضاحكا مع من حولي وكان يحلو له ان يشتمني لينال والدي من سلاطة لسانه الذي كان يضحك بدوره ويرد له ما اتاه لنفسه .
لم يكن الرجل يحضى بحب وعطف الكثيرين من أققربائه وعموم الناس في القرية لأسباب محكومة بالعرف والتقليد وربما محكومة بالمجاملة والتزيف.
كان أخاه الاصغر رجل دين صلب وصاحب سطوة , كان رجل سياسة في مقتبل عمره وقد تجاوز حدود المكان والزمان آنذاك لخوضه تجارب عزت على غيره من أبناء المنطقة وكان يمتلك مكتبة نادرة وقيمة في الوقت الذي لم يكن في القرية بضعة أشخاص يتقنون القراءة والكتابة .
كان هذا الرجل يسيطر على الحياة العامة والسلوك العام في القرية لموقعه الديني أسوة بصورة رجل الدين في حياة البسطاء , كونه صاحب القرار في الحياة والمماة ,فشهادته واطلاق الرحمة على الميت من عنده وفرض الحد على بعض الناس من الأحياء كانت من عنده .
كان الرجل قد بقي وحده بعد وفاة زوجته وكانت همته جيدة فهو لا يعمل ربما كان يأخذ مصروفه من اخاه وربما كان هناك مصدر آخر كان لديه بعض الأراضي قام ببيعها وعاش كما يريد .
لكنه كان مشهورا بالقرية وعندما يريد أحد أن يصف الآخر بعدم الصدق فكان ينعته أبو فوّاز , اليوم وأنا أرجع جلسات أبو فوّاز أعطه صفة المبدع , فنان , كاتب دراما أو أية صفة أو لقب رفيع في عالم الدراما لما كان يتمتع به من قدرة على الحبكة الدرامية والتوصيف وتصوير الامكنة باجمل التفاصيل , كان يحب أن يزور والدي جدا لأنه يجد من يستمع أليه ويلامس كيانه المرهف.
وكان يجد بعض الحضور أحيانا فيكون للحديث أكثر متعة في نفسه وكان يبدو أكثر تألقا وأكثر وقارا .
كانت امسية من امسيات الصيف وتحديدا في موسم الحصاد حيث كان من المعتاد أن يأتوا الحصادين من القرى المجاورة ويتفقون مع بعض الملاك على حصاد أرضهم .
لذلك صدف وجود أثنان من الحصادين عند والدي حين بدأ أبوفواز بسرد قصته مع جسر الحديد البالغ من الطول عشرة أمتار وبقطرين 30 سم لكل منهما حيث وجده وهو في طريقه إلى البرية والكائنة عند (بنات بعير) منطقة باتجاه بير الحصا الشرق من قرية الحقف حوالي مئة كيلو متر جنوب دمشق .
كان قد بدأ الحديث ابوفواز وهو يسحب من سيكارته وفي الوقت نفسه يبلور أو يبني عناصر القصة استحضر فرس وركبها متجها شرقا وهكذا بدأ ابوفواز يستحضر عنصرا كلما تطلبت المرحلة ذلك . ينظر بوجه صاحبه وهو ينفث دخان سجائره وكأنه يتابع حديث كان قد بدأه. كنت اسير على منحدر وادي كلات متجها نحو الششمال حين لا ح لي من بعيد خطا مستقيما على (حبلة من الرجوم) خيل لي انها أفعى سوداء تحت أشعة الشمس .. لا ادري ما هو السبب الذي دفعني ان اغير طريقي وأسير باتجاه ذلك الشيء المثير رأيته عن مسافة تفوق الكيلو متر , بقيت اقترب منه وحجمه يزداد إلى أن وصلت قربه وإذا أنا أمام جسر حديد على سلسلة من التخوم الحجرية يزيد طوله عن العشرة أمتار ... ياقد....... هنا يصمت أبو فواز بعد أن يكون قد مر بسجارته اللف على شفتيه مكملا لفها ويباطىء بإشعالها بينما نحن ننتظر ماذا سيفعل بهذا الجسر العملاق .
يسحب من سيجارته نفسا عميقا وينفث دخانه بوجه من يجاوره .... قلت والله أجت الرزقة هذا الجسر يساوي المبلغ المرقوم لكن كيف لي أن أتصرف به .....يسحب سحبة عميقة وينفث هذه المرة بوجه الشاب الذي على يمينه , كنت قد سمعت ان بوعلي سليمان باللوى يبني مقعدا طوله عشر أمتار وهو يبحث بالسراج والفتيلة على جسر حديد بهذا الطول وكان مستعد أن يدفع به 30 راس غنم , جلست فوق الجسر وأشعلت سيجارتي وفجأة( فزيت متل المقروص ) لم أجد أنفسي إلا وأنا على صهوة الفرس ولكزتها باتجاه المفارد حيث لي صديق من البدو المقيمين في تلك الأرض اسمه محمد الوحش وكان لديه عدد من الجمال , وصلت اليه وكان لديه بيتان من الشعر بالقرب من بعض الكهوف التي كان يستخدمها لإيواء الماشية في الشتاء, حين رآني صاحب البيت نهض مرحبا هلا ابو فوازهلا بالأخو تفضل , قلت له ليس لدي وقت أريد منك جملان ذكور بنفس المقاس ونفس الطول وأريدهم مكربين بالشواغر وتزيد من الخيش تحت الشواغر لأن الحمل ثقيل تردد ال البدوي ,(أنْ المعزب قلت له بلا ونونة) قلت له أعيدهم لك بعد غد وخلفهم خمسة رؤوس غنم حلال زلال. قال ابشر وانمالقيت طلبك ادورلك .
(والله انتظرت حوالي ساعة وتروقت عن الجماعة )بينما حضّروا لي الجملين وكانا متقاربان وأخذت الجمال واتجهت باتجاه الجسر كان علي السير حوالي الساعتين وصلت وأعقلت الجمال ثم أتيت ألى مكان الجسر وكان يمتد من الجنوب للشمال وكان علي أن افرغ الحجار من سلسلة الرجوم بمقياس دقيق كي استطيع أن احقق هدفي .
كان الضيوف قد أصبحوا ينظرون نظرات استفهام باتجاه والدي وفي وحوه بعضهم بين المتعجب والمستغرب .
تابع أبو فواز............وقفت عند اول الجسر وخطوت ثلاث خطوات ونصف ثم وضعت علامة ومن ثم ذهبت إلى الطرف الآخر من الجسر وفعلت الشيء نفسه وبدأت افرغ الحجارة من الوسط وعملت حوالي أربع ساعات جعلت تحت الجسر فارغا على ارتفاع حوالي متر ونصف وبعدها أتيت بأول جمل أنخته في المكان الذي يقدر بثلث الجسر حيث قمت بافراغه وعقلته من قوائمه الأمامية وبدأت بضربه على مؤخرته لكي أجبره ان يقحر على الأرض ألى أن اصبح تحت الجسر فككت عقاله وفعلت الشيء نفسه مع رفيقه إلى أن أصبحا الجملان في موقع متوازن وكان بين الجملين مسافة ثلاثة أمتار ويزيد حوالي 3 امتار من كل جهة , هنا صاح الشاب بنشوة, لكن الجسر عشرة امتار اين المتر العاشر ؟و نظر اليه أبوفواز مبتسما وقال له (عمي بدك فت خبز كثير بعد) الا تعطي نصف متر لظهر كل جمل هكذا يكون القياس صح وهذا شيء مدروس لتوزيع الحمل على الجملان بالتساوي وألا سيبرك أحدهم , سكت الشاب وسط ابتسامة خبيثة من رفيقه وضحكة عالية من والدي ومنا وقال الشاب أنا آسف تفضل .
أبو فواز يعرف ماذا يقول وليس لديه حرج فهو قادر على حل أكبر المعضلات لكنه أراد أن يلقن الفتى درسا توقف قليلا منشغلا بتوليف التبغ الذي في العلبة ليبدأ بلف سيجارة جديدة , وكان رفيق الشاب وهو رجل أربعيني قد أدرك الموقف وقال له لاتهون عمي أبوفّوازتفضل , نظر أبو فواز نحو الشاب مبتسما وقال . . المشكلة هنا إذا نهض جمل قبل الآخر سيكون شغلي كله عبث وربما يقتلا الجملان هنا أتيت بقضيبيْ خيزران وهويت بهما معا على صفحتي الجملان صارخا بأعلى صوتي يالله وكانت المعجزة أن الجملين نهضا معا وانتصبا واقفين فحمدت الله وسقتهما باتجاه اللجى , الغريب أن الشاب لم يسأل من أين جاء بقضيبي خيزران مع العلم أن الأمر مستغرب بالعادة يكون قضيب خيزران واحد مع الشخص الواحد , يتابع فوصلت عند الفجر (وجه الضو) وكان التعب قد ظهر على الجمال تركتهما في الساحة ودخلت دار بوعلي وصحت أبوعلي وإذ بوعلي يخرج من المضافة خير مين هذا قلت له الجسر برا لم يصدق أبو علي ما سمع وقال كيف ؟ قلت له تفضل وشاهد بنفسك, هنا كان الشاب الخبيث قد وجد فرصته الأخيرة وقال وهو ينظر لوالدي قائلا والله ياعمي هون المشكلة كيف هلق بدك تنزل الجسر ؟ أجابه والدي ضاحكا شغلتها سهلة عند ابوفوّاز , نظر أبوفواز نظرة هازئة نحو الشاب وقال له من حفر الصخر تحته سيصعب عليه أن يجد حلا لتنزيله ؟.
تابع أبو فواز طلبت من أبو علي دعامتان من الخشب المتين بطول مترين للواحدة بحيث أقوم بإناخة الجملين ووضع خشبة على رأسي الجسر بذلك نعيد نفس العملية في التحميل , هنا كان الشاب قرر أن ينتقم لنفسه ولا يدع لابوفواز مفر هذه المرة فقرر أن يحيك عليه خدعته فساله عمي أبو فواز كم وزن هذا الجسر بتقديرك ؟ مط أبو فواز شفتيه وأجاب على الفور ليس اقل من نصف طن أو ستمئة كيلو غرام , قال الشاب وهل يمكن أن يحملا قطعتان من الخشب هذا الوزن؟ وهنا الشاب شعر بالنصر والفوز على أبو فواز أن هذه واحدة عندك ياعم , لكن أبو فواز دون اكتراث وكأنه في سياق الحديث واصل , أنت ياعمي (بتقطف الكباي من راس الماعون) , أني لما قلت لابوعلي يجبلي كم قطع من الدعائم كنت أفكر في هذا الأمر وأحسب كم دعامة علي ان أضع تحت الجسر والمشكلة أن أبو علي لم يجد لي ولا قطعة مما طلبت . هنا قرر أبو فواز أن ينسف تصورات الشاب من جذورها ويغير قواعد اللعبة كان ينظر أليه وفي عينيه صولة كمن يقول (الله يضيق عالي ضيق ) لكنه وبسحبة من لفافته قد وجد أكثر مما وجده نيوتن في سقوط التفاحة وجد حلا لا يمكن لأبن أنثى أن يشكك في صحة نظريته , ابتسم أبو فواز وقال ادرت بوجه وأنا أكلم أبوعلي وسألته ماهذا المدخل قال هذا المدخل باتجاه البوايك ودور التبن وكان مدخلا رومانيا بعرض أربعة أمتار حيث يرتفع عن كل جانب جدار لا يقل عن المترين ونصف , هنا قلت لأبوعلي جاء الفرج يابوعلي ساعدني لندخل الجمال في هذا المدخل وقدنا الجما أنا وأبوعلي بحيث دخلو بصعوبة وكان كل جمل يمسح بالجدار إلى أن أدخلنا الجملان وأصبح الجسر يرتفع فوق التريزين بحوالي شبرين عن كل واحد بينما الطريق نحو الداخل يدبأ بالإنحدار حيث يسمح للجس أن يلامس هذه الجدران وينفصل بشكل طبيعي , صعدت إلى أعلى الجدار وفككت رباط الجسر عن الجمل وكذا فعلت مع الآخر وقلت لأبو علي سر بهم قليلا إلى الأمام يا أبو علي ,ما أن تقدما الجملان بضعة خطوات حتى وجدنا الجسر معلق على الجدران المتقابلة وهكذا سحبت الجمال وجلست في المضافة عند ابو علي مطالبا بثمن الجسر ضحك أبو علي وقال طلبك أجاك هذه الأغنام في الزريبة وهي لك , قال الشاب مستسلما لنهاية أبو فواز ومشاكسا في الوقت نفسه( هلق المشكلة صار عندك شلية غنم كيف بدك ترجع على البرية) , هنا قرر أبو فواز أن يسحقه بالضربة القاضية .
قال ابو فواز وضع أبو علي االزاد وبدأنا بالفطار وإذ بأحد ينادي في الخارج تاجر استقبله ابو علي وعزمه عل الزاد وتناول معنا االفطار وهو من ادمشق , بعد انتهائنا من الطعام قال لي أبو عالي أنه الأخ أبو نصوح تاجر مواشي من دمشق سألته كم تساوي الشاة هذه الأيام قال لي شراء ّ م بيع , قلت له شرَاء قال بنصف ليرة قلت له وأنا بعتك , قال أنت قلت لي أنك شرّاء قلت له أنتم الشوام لا أحد يقدر عليكم أنا عندي تحت 25 راس غنم وبعد أخذ ورد اتفقنا على عشرين ليرة عدلي ياهن التاجر وأخذت خمس روس وشرقّت للبدوي ونهض أبو فواز وقال يالله تصبحوا على خير الجسر بعدو لليوم بمقعد بوعلي سلمان بقرية .......... باللوى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taisir.yoo7.com
تيسير نصرالدين
Admin


عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 26/12/2010

مُساهمةموضوع: جفاف الروح   الأحد ديسمبر 26, 2010 11:18 pm



هذه المدينة القديمة المنبثقة من فوهة البركان الجاثمة على صدره الخامد, المتبقية من ذاكرة البازلت في قلب التاريخ ,
تسرق افكارك وانت تسير في شارعها الحجري المسكون بحوافر الخيل وأصداء الزمن الغابر ,شارعها المرصوف بأحجار بازلتية يمتد الى معالم من المعابد الاثرية , من هنا مر ملوك الرومان بل من هناانطلق فيليبو العربي كي يتربع على عرش روما ,
من هنا مر امراء ومستعمرين ومن هنا مرت جحافل الفرسان ومرت عرائس الرومان ,هنا سجل التاريخ صفحات لا يمحوها الزمن ,ومن هنا يمر عشاقان على عجل بموعد لا يتعدى نظرات متعثرة مرتبكة , من هنا يمر رجال الامن المتعقبين فتياناََ يثرثرون أو رجال صامتون , هنا حيث اقف الان على هذا المنعطف بالقرب من محال عرفتها منذ كنت طفلا ولا تزال على حالها ,تغيرت قليلا معالم هذه الساحة المستديرة , اختفت بعض المعالم القديمة لتحتل مكانها مبانِِ جديدة متواضعة البناء والشكل ,لتيقى نصف دائرة ومنها محل المصور الوحيد والذي كان يغريني أن امر عليه باستمراركي اصافح صاحبه الاستاذ صاحب الصيت الشائع كناشط فكري أو( ناشط سياسي ) ,
قبل ان ادخل حانوت صاحبي ا ستقوفني صوتا نسائيا يناديني باسمي , التفتت خلفي وإذا هي فتاة اعرفها جيداََ لم تفاجئني رؤيتها بل فاجئتني جرئتها وسفورها ومباشرتها في الحديث وهي الفتاة التي كنت اعتقد انها ابتلعت لسانها منذ الولادة , , استوقفتني وجاذبتني الحديث باطالة ادهشتني ,سألتني عن خدمتي العسكرية وعن اجازتي وكم سامكث في قريتنا , لأ ول مرة اشعر ان لها محاجر فسيحة وأحداق أنثى تبحث في مشاع الوجوه عن مأوىََ لنظراتها , والأغرب في الامر أنها سالتني نقوداََ لتستلفها مني ,
ربما لوكان المبلغ الذي طلبته كبير لاحرجتني , وقبل ان اقول اي كلمة استللت من محفضتي المبلغ وقدمته لها ,قالت سأرده لك خلال يوم او يومين ,صافحتني ومضت ...
للصدفة حدث هذا امام دكان صاحبي وكان يراقب المشهد على مايبدو ,حين دخلت اليه وصافحته لم يسالني عن حالي كما هي العادة و بل سالني من اين تعرف هذه الفتاة , قلت له انها فتاة مسكينة ورائعة في منتهى الادب وهي صديقة لبعض أقاربي ,
نظر بارتباك وقال لي اانت متاكد انك تعرفها جيداََ ؟,
قلت له يارجل اقول لك انها ابنة قرية وقريبة صديق لي وهي تعيش في رفقة بناتنا في المدرسة وأعرفها جيداََ
قال هل يهمك امرها ؟..
قلت له ... جداَ..
تهمني بالتاكيد فهي تماشي بناتنا وشقيقاتنا وهي فتاة على خلق ومهذبة جداََ
قال يؤسفني ان اقول لك ان ذلك ليس صحيحاَ وانا اعرف غير ذلك وعكسه ,هذه الفتاة سلوكها سيئ
واراها تماشي اشخاص غرباء , واراها بصحبة مشبوهة مع بعض الاشخاص ,
لقد صعقت ولم اصدق كل ما قيل وقلت في خلدي لربما هناك التباس في الامر وصديقنا يظلم هذه الفتاة .
قلت له حسنا ساذهب الان استودعك الله , ستقليت تكسيا أ و سيارة طلب كما نسميها وقد تكون سيارة خاصة في معظم الاحيان يستخدمها مالكها للعمل بصورة غير قانونية,واوصلني الى قريتي وانا في حالة من الدهشة طول الطريق الذي يزيد عن ال14 كم وأنا استعيد كلمات صديقي عن هذه الفتاة ,
كانت الإجازة التي علي ان اقضيها في القرية حوالي الاسبوع وكنت اضع رحلات الصيد في المقام الاول في قائمة يومياتي ,
عند المساء كنت بزيارة أحد أعمامي وكن بناته المتقاربات و المقربات من هذه الفتاة كن متعودات على الحديث معي بكل تفاصيل الحياة اليومية ومشاكلها الخاصة والعامة ولاسيما مشاكلهن الخاصة ان وجدت لأنهن كن إناث بلا شقيق وكنت احاول ان اعوض لهن هذا الفراغ واكون الاخ والصديق في ان واحد ,
قلت للكبرى من بنات عمي حدثوني عن هيفاء وعن جديدها , قالت رافعة حاجبيها وبكلام مطوط اه ايضا انت مهتم بها وبشىء من الامتعاض تابعت دعنا منها ومن سيرتها لقد انحرفت ,
انحرفت ؟ قلتها باستغراب وباسلوب فيه بعض اللوم على هذه التسمية , ويحكم ...
كيف تنحرف فتاة مثل هذه المسكينة كيف تنحرف فتاة تشارككن الطريق الى المدرسة وتشارككن الحديث وتبثكم اسرارها وحرمانها وفقرها , لماذا تنحرف وانتن قربها وهي تسمع لكن وتبوح لكن باسرارها
قالت لي ابنة عمي الكبرى لك الحق ان تستغرب ولكن صدقني انها جرحتني واهانتني وانا اسدي اليها النصح لم تتورع ان تقول لي انني اغار منها وأحسدها على حياتها الجديدة ,
قلت وانا ابتلع ريقي هل لك ان تخبريني ماذا حدث بالضبط ,
قالت نعم
حدثت في القرية التحضيرات الأنتخابية وكان الناشطين وبعض الاعضاء والشخصيات الفاسدة التي تعرفها جيدا تعد للأنتخابات وتوزع المهام الادارية على تسيير الانتخابات وكان بالطبع رجال الشرطة والامن لهم الدور الاول في الاشراف على هذه الانتخابات ,
وكانت هيفاء قد شاركت في هذه التحضيرات بمساعدة عمها , هنا استحضرت صورة عمها الذي كان يستنهض ذاته من واقعه المسحوق ويتسلق بطفيليته الفطرية طبقات المجتمع كي يتيح لنفسه مكاناََ في مجالس القوم,
كان شاب ذات تطلع وطموح مشروعان للخروج من واقعه البائس الذي اورثه اياه والده في مجتمع ما زالت روح القبيلة تحكم علاقاته,وجد نفسه مع اقران يشعرونه بالدونية ويتعامل معه الجميع بشيء من التعالي والفوقية ,
هنا بدأ يعمل ويدرس ويبني علاقات قوية مع اصحاب النفوذ وانخرط في صفوف الأنتهازيين من بائعي الكلام و الضمائر واضبح عضواََ عاملاََ بالحزب والمخفي أعظم , هكذا قام بدور كي يجعلها احدى المشرفات على صناديق الاقتراع ...
هنا في هذا المناخ حاولت الفتاة ان تتغلب على الخجل المستعصي في شخصيتها وحاولت ان تنصهر في هذا الجو الذي يحتوي على مزيج من التناقضات ,ومع أول تجربة لها أمام قطيع الذئاب سقطت هيفاء ولم تستطع ان تنجو بنفسها طالما ليس هناك من يعف للقمة محرمة كثمرة الله في الجنة ,
هنا وعلى مراى من الجميع بدأت الفتاة رحلتها السافرة , تسير في وضح النهار وتذهب الى حيث لا يجب ان تذهب وتحادث من يجب الا تحادثه تصطحب الحافلات في زيارات خارج القرية وتعود تسير أمام اهل القرية بخطاََ لا مبالية بين ما العيون تلاحقها وتنهشها تشرحها وتطعنها وتتعدى على خطواتها واصبح كل شاب تافه وذميم وبلا شرف يلاحقها ويعرض عليها وعود كاذبة كي يوقعها بحبائل العبث والأنحطاط ,
عرفت كل هذا من بعص الاصدقاء لكن القسم الاكبر قد عرفته منها بعد لقائي بها .
بعد الحديث مع قريبتي عن هيفاء شعرت بخيبة امل كبيرة , لا ادري لماذا لكني شعرت كأننا تعرضنا لعملية غدر مدبرة ,شعرت ان هذه الفتاة تعنيني كأية واحدة من قريباتي او شقيقاتي وبقيت طيلة الوقت غير قادر أن انسى ما حدث وما سمعت واصبح الأمر يعنيني جداََ,في اليوم الثاني بينما كنت جالسا مع افراد عائلتي جائت الفتاة وكانت قد ظهرت منذ دخولها المدخل الغربي لدارنا حيث نستطيع ان نرى القادم من لحظة دخوله ,وكانت شقيقتي وصديقتها قد امتعضتا حين رأينها وتمنعن عن مقابلتها , خرجت ملاقيا لها كي انقذ الموقف وبعد ان القت التحية مدت يدها بالمبلغ الذي استلفته مني شاكرة لي موقفي, دعوتها للدخول لكنها اعتذرت وكانت هي بدورها تأخذ موقفا من قريناتها وكأنها تتجاهل حضورهن ,قلت لها اريد أن أكلمك ايمكنني مقابلتك , قالت وهي تنظر الي ببعض اللامبلاة حسنا ماذا تريد مني ؟, قلت لها كل خير , اريد أن اسمعك واتحدث اليكِ وليكن ذلك في بيتكم او بيت عمك كما تشائين , اجابتني على الفور حسنا أنا سأذهب فورا الى هناك إلى بيت عمي ,قلت لها حشنا ساتبعك بعد قليل ,ثم ودعتني وانصرفت, دخلت البيت كي أحضر نفسي للخروج ولم أنسى أن أأنب شقيقتي وصديقتها على موقفهن وسط نظرات أمي التي أشعرتني بتعاطفها معي وكأنها تبارك موقفي لأنها كانت أكثر الناس قدرة على معرفة ما أضمره ,وكون والدتي بطبيعتها تميل الى الوقوف بجانب الضحية أو المظلوم , خرجت قاصدا بيت عمها وسط اضطراب فكري ونفسي لهذه الفوضى الفكرية التي تنتابني املا تحقيق ما اصبو اليه وأن يكون موقف عمها ايجابيا ويستوعب حجم الكارثة ويتجاوب معي في معلاجتها ,
عند وصولي الى بيت عمها المحاذي لبيت وحيد يشاطره الإنزواء قليلاََ عن بيوت القرية , رايت هيفاءمن بعيد تجلس في الفناء الامامي للبيت مما يدل على عدم وجود عمها في المنزل ,
كان البيت المجاور لبيت عمها بيتاَيوحي بعدم الطمانينة وكأن تصميمه المربع كصندوق خشبي ذات النوافذ الصغيرة المطلة على كل الجهات يتناسب مع ساكنيه المنغلقين على انفسهم والمتربصين لكل عمل سيء , حاولت ان احسم امري وانا اتقدم باتجاه بيت عمها واضعا في الحسبان الظن السيء لهؤلاء المتربصين وكنت اشعر بعيون تتابع خطواتي وانا اسير محاذيا لهذا المنزل وكوني رايت من خلف الزجاج خيالا ما يراقبني اصريت على الاستمرار باتجاه بيت عمها حيث تنتظرني هيفاء
كانت هيفاء مطمئنة جداََ والهدوء بادياَ على ملامحها حين بادرتها بالتحية ,جلست على حافة الردهة الامامية للمنزل حيث كانت وحرصت على جعل المسافة بيني وبينها رادعة لأصحاب النوايا السيئة’
قلت لها بدون مقدمات أنا اتيت وتبعتك كي اساعدك’ لا ادري كيف اعرض نفسي عليكي ,ولا ادري مدى استعدادك لتقبليني كصديق أو أخ أو أية صفة مجانية تدخل الأمان الى قلبك,
كانت نظراتها فيها قولا كثيرا وربما تهكماََ خفيا ,ربما قالت في سريرتها ايها الجبان أنا لا اريد أنبياء ومبشرين ولا اريد واعضين , أريد منقذا فارساََ وحبيباََ مقداماََ يشهرني زوجة بوجه هذا المجتمع الجائر والمريض, يقبلني ويحبني على ما أنا عليه وبما انا فيه بفقري وخيبتي وشوائبي
,قالت.يابتسامة لاذعة’ ماذا.؟ منظّرا جديداََ من أصدقاء عمي ؟
قلت... ربما, لكن هدفي نبيلا وغايتي المساعدة المجانية وهذا قد تستغربيه بعد تجربتك السيئة .
وربمايستهويني أن أحمل صليبي لأحمل خطيئة غيري
أوأكون شاهداََ على حسن سلوكك وبياض طوقك وشاهد على ذبحك ’أنا لا اريد منك اي شيء لا ادري اذا كان يغضبك ام يسعدك , لكن اقسم لك انني لا اريد اي شيء ولا غاية لي سوى مساعدتك ’ أنا أدعي انني أعرف معاناتك وأسبابك وأنا مستعد لفعل كل شيء يساهم في خلاصك مما انتي فيه,أنتي رميتي نفسك في نار جهنم وسقطتي فوق هذا الهشيم الذي سيحرقك ,
لقد سمعت عنك حكايا لا تصدق ولا يمكنني ان استسيغها, وسواء كانت افتراء او حجة عليكي لا بد لكي ان تخرجي وتصعدي من جديد الى سلم المجتمع وأن تعيدي اليك نفسك او تعودي اليها ,

قالت بذات الابتسامة الاذعة وبحدة لا تخلو من ا لأنكسار لا لا احد يعرف وجعي ولا حتى اقرب الناس او من المفروض ان يكون اقرب الناس كأمي وأبي وأخوتي, حتى عمي الذي كنت منبهرة به ومعتمدة عليه لقد خذلني ,
كنت المح من النافذة المقابلة شخصا ما يتلصص علينا وكنت اتمنى في بادىء الامر ان يعود عمها سريعاََ لكن حين لاحظت ان هيفاء بدأت تنطلق بالحديث وبجرأة وشفافية لم اتوقعهما بدأت ادعو ان لايرجع قبل ان تفرغ جرابها الذي بدأت بفرطه على مسامعي ,
قلت لها لكن عمك هو الوحيد الذي سيعيدك الى فلكك الاجتماعي وهو من سيسدل الستارة اذا اردت ان نتفق على نهاية المسرحية ,
نظرت الي نظرةلم استطع ان احدد ذاك البريق المنبعث من محاجرها ,كانت لها عمق طفولي واهداب انثى بالغة الانوثة
,قالت لي باسمة... وجودك الان معي سيسيء الى سمعتك وسيضعونك في قائمة الخطّائين ,قلت لها هل تثقين بي؟ .
قالت على الرغم ان ما حصل لي كان كله لأنني وثقت لكن لا باس ,
قلت لها وهل تعدينني ان تكونين صادقة معي وتخبريني عن كل شيء بالتفصيل , أنا لا اريد ان أعرف فضولاََ أو تطقلاََ بل اريد ان تفصحي عن مواجعك وتطلقين عنان الخبايا التي أوقعتك في براثن الذئاب ,تكلمي انت وأنا ساستمع ثم ساتكلم انا وانت ستستمعين ,
قالت حسناََ
لن اطيل عليك بتفاصيل العوز والحاجة التي عشتهما ,
فقرنا وومظهرنا وثيابنا تدل على حالتنا ,ولو ان بعض الصديقات من اقراني كن يمنون علي بثيابهن القديمة لأشعر طيلة الوقت أن القطعة التي ارتديها تنخز جسدي كشوك القنفذ هذا عداك عن الشعور الدائم بالدونية والتقلص امام الجميع من قريناتي البنات , كل هذا الشعور كان يطوي حتى الاحلام الوردية لفتاة بمثل عمري ,كانت المرحلة الإعدادية اقل ثقل على نفسي.. أولاََ لقرب المسافة من المدرسة على الرغم انها كانت تحتاج لأجرة النقل
وكان عمري لا يسمح للمعجبين من زملاء الدراسة باكثر من نظرة او كلمة خجولة تلقى على مسامعي من حين لأخر ,
لكن المشكلة بل المأساة بدات في المرحلة الثانوية حيث اصبحت المسافة بين البيت والمدرسة ابعد واكثر تكلفة , كانت الخيارات تكاد تحيل بيني وبين اكمال الدراسة لعدم قدرتنا على توفير اجرة الطريق كل يوم ذهابا واياباََ من وإلى المدرسة الثانوية التي كانت تبعد اكثر من اثنا عشرة كم عن قريتنا , في هذه المرحلة بدأت اشعر اكثر بجور الحياة علي
بدأت اواجه هذه المصاعب اليومية وجها لوجه وكان لا بد من وجود حلا كي استمر في الدراسة فكان البديل ان انام في بيت عمتي الكائن في هذه المدينة الصغيرة حيث توجد الثانوية , كان هذا الحل الانسب على الرغم من كل تداعياته وخلفياته ,
كانت عيون هيفاء تطفح بالبريق المبلل كل ماقاربت على كشف سر من اسرارها , تقول عيونها اكثر بكثير مما يقول لسانها على الرغم من عدم تحفظها ,
تابعت بعد ان صوبت نظرها باتجاه الافق , أنا أعي وأتحفظ على كل ما يفرضه علي المجتمع بل وأتمتع بخلق يساعدني على سلوك سوي وملتزم بكل قيم المجتمع المطروحة في ميزان الاخلاق التقليدي ,
لأن مجتمعنا مجتمع استعراضي ومنافق وجبان , خاصة نخبته المريضة من جيل الشباب المدعي لأفكار خلاقة لا تتعدى في سلوكهم أحاديث المجالس المسائية بكلمات تطرب المتعطشين لقيم جديدة متحررة من الشوائب خاصة من النشأ الجديد كحالتي ,كانت مشكلتي كبيرة ومعقدة والهوة ما بين طموحي وواقعي المتأرجح في حبال الفاقة والعوز وحال اسرتي المنهكة فقراَ وجهلا وموقعي كانثى بكر لهذه الاسرة في سلّم الاولاد جعلني ابحث عن سند يساعدني على السير باتجاه الحلم والطموح كأنسانة أولا وكأنثى ثانيا , وكان عمي الشاب المنبعث من ذات البيئة الفقيرة قد بدأ الانخراط في صفوف المجتمع والباحث لنفسه عن مقعد في الصفوف الامامية سواء كان في المجالس العائلية أو في المجالس الرسمية , كان يتخذ لنفسه مظلة من الصداقات والعلاقات التي تقيه من مبضع الفرز العائلي واستبعاد الجهات الرسمية فاستطاع ان يجد لنفسه مكاناََ مع ثلة من لانتهازيين وطفيلي الثقافة ,من هؤلاء كان طالب الحقوق المرموق الذي اصبح قاضيا ذائع الصيت والاستاذ المخضرم الذين تدرجوا اليوم الى اعلى المناصب الفضفاضة على قاماتهم المسخة ,
كان الأستاذ المحامي يحاصرني بالكتب النفسية التي تضر اكثر مما تنفع لقارىء غير متخصص خاصة لفتاة مثلي تعيش سن المراهقة على حواف التشتت في حالة من القلق والتوتر والاضطراب النفسي نتيجة لما كان يحصل معي من مواقف وظروف غير عادية ,كانت كل الظروف التي تعرضت لها اقل من ان تسقطني أو تخل بتوازني , لقد تعودت على الفقر وتعايشت معه بل تاقلمت معه وتعودت على فوقية الصديقات وعطف الطيبات منهن , تعودت على تجنب البعض من الأقتراب مني وكأنني وباء ,
تعودت على الجفاء وعدم الحميمية من معظم اقراني الذين كانو يتسابقون للنهوض في االحافلة ا لصباحية التي كانت تقلنا الى المدرسة لتقديم مقاعدهم لبعض صديقاتي لكن لم يكن يفكر احد منهم بفعل ذلك معي ,نعم تحملت كل هذا وكان قد اصبح من اليوميات المعتادة , لكن عند انتقالي الى الثانوية العامة حدثت تغيرات جذرية قلبت معها جميع الموازين وجميع السواتر التي حصنت بها نفسي ,
3

اصبح علي ان اذهب الى الثانوية العامة بتكاليف اكبر قد تطال ثمن الخبز الذي يقتاته اخوتي وافراد اسرتي وكان ذلك يتطلب قراراََ بان اتبع دراستي او امتنع وقد فكرت ان امكث في البيت متابعة دراستي الى ان يحين تقديم شهادة الثانوية العامة واقدمها تقديم حر , لكن وجود عمة لي في هذه المدينة اتاح لي ان اجد حلاَ اقل مرارة وهو ان اسكن معها
كل السبوع واعود في نهايته, بذلك اتخلص من تكاليف المواصلات , وهذا ما حصل فعلاََ
كانت عمتي طيبة وودودة لكن افراد اسرتها المكونة من ولدين وبنت لكل منهم عالمه الخاص,كان نديم اصغرهم وهو في الرابعة عشر من عمره
وكان نادر الولد الاكبر يؤدي الخدمة الالزامية في الجيش انذاك وكان يأتي في إجازة مرة او مرتين كل شهر, وكان لا يختلف عن شقيقته مسلكيا فهو من ذات التربة والنطفة وإبناََ لذات البيئة وذات الخلق , لم يكن يابه كثيرا للقيم ولم يراعي الأعراف والتقاليد كان يسوف مفاهبم القيم على قياسه وهواه ,كان يتعامل معي كجارية في بلاط سلطانه وكان له سطوة علي لم أمنحه اياها ولم اشجعه عليها , لذلك كانت الضريبة التي ادفعها مكلفة لهذه الضيافة باهضة الثمن , تسيت أن اقول لك أن زوجة عمتي يعيش في لبنان حياته الخاصة ول يأتي الا في ما ندر وأخر مرة قدم فيها كانت منذ اربع سنوات ومن حينها لم يراه أحد سوى نادر الذي كان عنده قبل الالتحاق بخدمة العلم , هذا الرجل قد اختار لنفسه طريقا غير سوي ,يعلش مع امرأة اخرى يعيش على هواه غير عابئا باسرته وزوجته وربما هذا السبب جعل من هذه الاسرة اسرة غير متوازنة ,
كانت هيفاء تحدق في الفضاء كي تتحاشى الإنكسار الذي يطل من عينيها واحيانا تتعثر بالكلمات
كنت اشعر ان هناك اسرار لا بد ان تموت في الظل ,هناك بعض الاسرار محرمة على الاجهار بها ,على الر غم من الجرأة التي بدت ومن الثقة التي منحتني اياها كان في حديثها شيئ يفوق شجاعتها عن الافصاح به ,
تتابع هيفاء
, كنت اقوم بمساعدة خالتي في اعمال المنزل لأن ا بنتها التي تكبرني بعامين كانت غير مكترثة باعمال المنزل وكنت اقاسمها غرفتها في النوم , كنت سعيدة في بادىء الأمر لكن تصرف ابنة عمتي كان مثيرا وكانت تمارس علي سلطة السيد و كيف لا وهي صاحبة البيت ومضيفتي وقد حددت من حريتها كثيراََ ,
. كان بيت عمتي ذات طبيعة ريفية على غرارالعديد من البيوت المجاورة لمنطقة الاثار الرومانية , كان البيت مكوناََ من اربع غرف متلاصقة ومطبخ ومرافق خارجية , ولكل غرفة باب مستقل على فتاء الدار وكان الدخول والخروج متاح ليلاََ للذهاب الى المطبخ او لقضاء حاجة ,في صحبة ابنة خالتي ومن خلال احاديثنا الليلية كانت تحدثني عن اسرارها وتبوح لي باحاديث مرعبة لفتاة مثلي , فهي على علاقة بشاب تقول انها اتفقت معه على الزواج وكانت تلتقي به او تنفرد معه بلقاءات حميمة
كنت اعتقد انها تاتمنني على سرها بدافع الثقة والصداقة , لكنها طلبت مني ذات ليلة ان اتظاهر بالنوم اذا ما جائها زائراََ
كان الدوار الذي اصابني اشد من رخاوة الكلمات التي تفوهتها وكان احتجاجي ياساََ ضعيفاََ قلت لها لا يمكن ان اقبل بدخول غريب الى مخدعي هذا فظيع , وكانت ابنة عمتي تمتلك من الوقاحة أن تنبهني اني ضيفة ثقيلة وقد افسدت عليها حياتها وحرمتها من خصوصياتها بسبب اقتحامي حياتها , كانت قد ايقنت انها وضعتني في حالة من لرضوخ لو اقدمت على دعوة زائرها الليلي ,وحدث هذا فعلا, استيقظت في إحدى الليالي على همس غريب في الغرفة وكنت أعتقد أنني احلم كانت الاتفاس المتقطعة والهمس المنحبس يدلان على ما يخبئه الظلام , وكان الامر لا يحتاج الى اجتهاد وعناء لفهمه ,بدأت فرائصي ترتعد وقد اصابني ارتعاش من الخوف والرهبة والفظاعة ,كدت أن اموت من الصدمة
فحبست انفاسي وكنت ابلع ريقي ودموعي, ,
توقفت هيفاء قليلاََ لتستل من جيبها منديلاََ , تمسح به دموعها.
هنا استوقفتني عباراتها امام ذلك المشهد الذي حاولت ان تخفي ملامحه بقفزها فوق التفاصيل ,
ورايت بأم خيالي تلك المواسم المدثرة بالصقيع ..مواسم تغرق بالانوثة وتزهر براعم شوكية ,
تخيلت اي الم يحدث وأي خراب يحدثه الجوع ,
ما اصعب ان تتضور حبا وحناناََ وأماناََ وجوعاََ وكبرياء ايضاََ ,
كل هذاتخيلته بلحضات قليلة قبل ان تدركني هيفاء بصوتها متابعة
تخيل ان تعيش هذه الحالة فتاة مثلى لم تتجرأ يوما ان تصل الى ذلك حتى في خيالها ,
بقيت الارض تدور بي
إلى ان شعرت بشبح يغادر الغرفة فأجهشت بالبكاء و قلت لها اية وقاحة وسفالة هذه التي تمارسها ,
وبختها وشتمتها .. لكنها اتهمتني انني معقدة وساذجة ولا اعرف عن الحب سوى تفاهة المحاذير منه ولم أنم بعد ذلك سوى هنيهة عند انبلاج الضوءحيث شعرت ببعض الامان فنمت, استمر الحال بي على هذه الحالة وقد تكررت لقاءات ابنة عمتي
بزائر الليل الذي تسميه حبيبها طيلة العام الدراسي , وكنت قد قررت ان لا اتابع دراستي النظامية وأن أتابع دراسة حرة الى ان يحين تقديم الأمتحانات للشهادة العامة وهذا ما حصل فعلاََ ,
لكنني لا اخفي عليك ان هذا العام قد ترك شرخاََ عميفاََ في نفسي وكياني وقد سبب لي اظطراب عانيت منه كثيراَ
تسللت الى نفسي على اثره مشاعر غريبة لم اكن اعهدها بي , أصبحت اشعر انني احقد على البعض وأحياناََ أكره نفسي تسللت من بين مسامات الحلم رياح كانت هادئة في بادىء الامر وبدأت تشتد داخلي ,
كلما طفحت انوثتي كان يضيق صدري ويضيق ملاذي .


اصبح الخواء يعمني ..معدة خاوية, مشاعر خاوية ,حلم ومستقبل خاويان ,واصبحت مقاومتي اقل حدة, تغيرت فجأة وبسرعة قياسية ,ربما يصعب علي أن أبين كافة التفاصيل وربما يصعب علي أن أراها .

في هذه اللحظات كنت ارى هيفاء بملامح مختلفة كأنني اتعرف عليها للتو , كانت تلك النظرة المتعثرة بالدمع تارة وبالأمداء تارة أخرى تضفي عليها بريقا يضيء أعماق نفسها , كنت أرى الصدق في خباياها وأسمعه في نبرات صوتها ,
وهنا تنفعل قليلا ويتهدج صوتها فأعود اليها باندهاشي وأصغائي الرزين,تتابع هيفاء ..
لا ادري كيف افسر ذلك,كنت كمن كان كفيفا َ وأبصر النور فجأة , كمن استيقظ من نومه ليجد نفسه في مكان اخر ,شعرت بشرخ ما داخلي وشعرت بانكسار في روحي وقلبي وخاطري ,لقد انتابني شعور غريب تماما كمن يسير بنومه,تبدلت احاسيسي لم يعد يتملكني الخوف تساوت الالوان والمسافات والصعود والسقوط ,تساوت القيمة بالناقصة والحسنة بالسيئة ,لم تعد تقلقني علامات حسن السلوك التي يكيلها المجتمع , صرت اشعر بالاستعلاء على هذا المجتمع وكأنه اصبح اصغر مني واصغر من ان يقيمني ,شعرت اني اصبحت قادرة على ضرب كافة الضوابط والقوانين عرض الحائط ,لذلك قررت أو قل وجدت نفسي انقاد باتجاه لا أعرفه ربما اصبت بحالة انفصام بشخصيتي ,لأنني لم عد أكلف نفسي مجرد التفكير بتصرفاتي وجدت الجميع يدعوني باتجاهه,اقسم لك انني وجدت نفسي وسط غابة من الذئاب لم اجد احد من الرجال الذين حولي محصن باخلاق او قيمة تجعل أحدهم يراعي ما أنا به , حتى بعض المتزوجين وأصحاب بعض المراكز لا أقول المرموقة بل الحساسة كانوا يحاولون ان يقتنصو ما ملكت ايمانهم من فتاة لم تكمل عامها السابع عشر بعد بمن فيهم مدرسين وذلك الرجل الخمسيني الفاضل والذي درسني وكنت طفلة على مقاعده , ما اشد قسوة هذا المشهد , صدقني وأنا أرى نفسي اسير بعكس السير بكافة الاتجاهات الممنوعة, حيث تطاردني العيون, ترمقني عيون النسوء بالقسوة والطعن المجاني وتنهشني عيون الرجال بالرغبة والاشتهاء ,كأنما الجميع يريد استباحتي
,كانت الخطوة الأولى بهذا الأتجاه حين وجدت نفسي في وسط من الحراك المحموم في مدرسة القرية , عندما قادني عمي للقاء اللجنةالانتخابية بصحبة امين الفرقة الحزبية وأوكل الي العمل بصحبة مجموعة كانوا أغراب عن القرية, كان ذلك مقابل مبلغا سيدفع لي بعد الانتهاء من الإنتخابات من قبل اللجنة المذكورة ,بدأت العمل وانا في حالة من الضياع وسط شعورا بالتوتر وبعض الاشمئزاز من الابتذال الواضح في تصرفات الجميع وعلى وجه الخصوص من شخصان في المجموعة اتضح لي فيما بعد أنهما عنصرا امن ,بدأت اشعر ولأول مرة بفراغ مخيف داخلي , صرت أرى نفسي بصورة أخرى كأنني أضع على وجهي قناع اخفي ملامحي , كنت اشعر بثقل في قدماي ووهن في نفسي ,وعرفت جيدا أن هذا ليس بالمكان المناسب لمثلي,حاولت أن اقول لعمي ذلك فثار وغضب واشعرني انني معقدة وعاجزة وغير جديرة بفرصة وفرها لي تباكى عليها العشرات ,بعد مضي اليوم الأول والثانيب بدأت أتقبل هذا الواقع و وجدت نفسي إنسانة أخرى مختلفة عن طبيعتي ,صرت أحدق بالوجوه
بقوة لا أعرف سرها وأنا التي كنت أكسر نظرتي امام الجميع ولا اقوى ان ارفع بصري بوجه محدثي إن كان رجلا أم انثى,صرت احدق بعيون من حولي و أخترق وجه ذاك المخبر أو رجل الامن الشاب بطريقة عنيفة وكأن أحداقي أصبحت من زجاج ,بدأت أرى الاشياء والناس والتصرفات كأنني أراها لأول مرة , كأنما فتحت نافذة جديدة على العالم أرى الاشياء منها كصندوق الدنيا,وأصبحت ادقق في الاشياء من حولي اراقب أبحث خلف الكلام عن الكلام ,وفي العيون ما خلف العيون , رأيت عمي الذي بهرني منذ نشأتي بكلامة المتكرر عن المروءة والشهامة والكرامة والكبرياء , كيف كان مرتبكا مسلوب الارادة والشخصية في حضرة هؤلاء , كان متكلفا بجميع تصرفاته مزيفا ومنافقا, يتجاهل حتى معاكسات ذلك الشاب غير اللائقة معي
وكانه قدم من مكان اخر ,تذكرت ابنة عمتي ووزائر ها الليلي , تذكرت احاديث صديقاتي البنات عن معاكسات الفتية لهن ,
رأيت أن من يعطي شهادة حسن السلوك في هذا المجتمع حفنة من التافهين المنافقين ومجموعة من المرتزقة على ابواب العلم والثقافة بل ومع الاسف قيّيمين على مقدراتها ,ربما أكون قد بالغت انذاك في محاكمة الجميع كي أجد لرغبتي في التمرد طريقاََ , خاصة انني وجدت الأقبال على محادثتي وملاطفتي قد ازداد, صرت أحظى باهتمام البعض وصرت الفت نظر البعض الاخر .
هنا خطرت لي فكرة ربما اوحت الي بها هذه النبرة المتمردة في صوت هيفاء وربما وجدت في مصطلحاتها المختارة وطريقتها في التعبير مبررا لسؤالي
, هل كنتِ تقرأين كتبا معينة أثناء أو قبل هذه المرحلة ,
أجابتني بسرعة طبعا كنت أقرأ بنهم وبنشاط كانت الكتب التي يغدق علي بها اصدقاء عمي المثقفين كثيرة ,
قلت هل يمكنني أن أعلم بعض هذه الكتب أو بعض العناوين , قالت هي كثيرة جدا , قلت بعضها
قالت لقد قرأن دروب الحرية لسارتر و الجدار وقرأت لكاتب اخر لا اذكر اسمه كتابان (الإنسان وقواه الخفية ,.وطقوس الظلام )وأخر كتاب قرأته كان بعنوان ( دع القلق وأبدأ الحياة ) لا أخفي انني وعلى الرغم من ادعائي انني قارىء نشيط أنذاك لم أكن قد توصلت لهذا المستوى من القراءة كنت قد قرأت لجان بول سارتر معظم اعماله لكنني اعترف لكم الان أنني لم استوعبه جيداََ , وكنت قد عرفت كولن ولسون كأسم يتردد على السنة بعض الاصدقاء( المتعثقفين ) وقرأت كتا ب الإنسان وقواه الخفية وكدت أن اصاب بانفصام شخصية , ذكر هيفاء لعنوان دع القلق وابدأ الحياة استفزني
لا أدري لماذا هذا العنوان استفزني ودفعني للحديث عنه مع هيفاء جعلني أكتشف سرا ربما كنت به على حق أن هذا الكتاب هو الذي دفع بهيفاء ألى ما وصلت اليه , خاصة أنني وجدتها متأثرة ببعض المقولات الواردة في فصول هذا الكتاب ’ هنا أنا لا أقلل من أهمية اي من هذه الكتب لكن القراءة كالبناء تحتاج إلى اسس وقواعد متينة ومواد ثقافية تستطيع أن تتحمل ما يليها من ثقل فكري , فلسفي , فني , أدبي الى اخره ,
لذلك سألت هيفاء اذا كان هذا الكتاب مازال لديها أجابت بنعم
طلبت منها استعارته
قالت اسفة إنه ليس ملكي هو للأستاذ جهاد وقد طلب مني قراءته
قلت لها اعيريني اياه فقط يومان او ثلاثة بالكثير وسأعيده لك قبل ان تنتهي اجازتي
قالت حسنا اذا اردت اعطيك اياه هذا المسا
هكذا وبعد الحديث الذي استمر حوالي ساعتين تخللها مشاهد اخذت بعض تعليقاتنا انا وهيفاء كالظل الذي يتلصص علينا خلف نوافذ ذلك البيت أنهيت لقائي معها ووعدتها ان أزورها في بيت اهلها بصحبة عمها هذا المساء ,
كانت علامات الرضى والسعادة بادية على هيفاء
كانت نظراتها تقول الكثير الكثير وقال لسانها ايضا كلمات من الشكر والإطراء وخرجنا معا لتتجه هي جنوبا باتجاه بيتها وانا شمالا باتجاه بيتي ليخرج المتلصص من بيته وهو شاب يدرس الطب ويلقي علي تحية سيئة المعنى والتوقيت والزمان والمكان كأنما يوجه لي رسالة تخفي ما تخفيه .
لكن حالتي النفسية وتأثري بما حدث وما سمعته جعلاني اضع في قرارة نفسي هدفا اسمى وانبل من مثل هذه التلميحات , ابتسمت له بتسامة لا تخفي ملامح الإزدراء التي ارتسمت على قسماتها وتابعت سيري,

,كان الوقت المتبقي من النهار ساعات قليلة وكان علي أن أجد فيما تبقى أفضل السبل للوصول لما اطمح اليه , كانت علاقتي بعمها قد توطدت في مرحلة معينة خاصة في معسكر الشبيبة وبعض المناسبات الأخرى , في بادىء الأمر أخذت طابعا قويا باتجاه الصداقة لكنها بدأت بالتراجع كلما اقتربت من معرفة خبايا هذا الشاب أكثر , قضيت حوالي سنة على مقربة منه وكانت هذه الفترة كافية بأن أتعرف على الخراب الذي يعم نفسه ,وبالتأكيد عرفت نقاط ضعفة ومكامن السيطرة عليه فكريا ََ
لذلك حين التقيته قبيل المساء بقليل بالغت بالتودد إليه وناقشت بعض التفاصيل الشخصية التي كان يسمح لي بالتطرق اليها حول مستقبله وارتباطه العاطفي ومن ثم طرحت الأمر الذي أتيت من أجله ,
قلت له دون مقدمات لماذا لم تخبرني عن هيفاء وما الت اليه هذه الفتاة من سوء حال ؟.
بكثير من الإرتباك أخذ يجيب بشكل غير منسجم وغير دقيق ثم أخذ يلقي اللوم على الظروف تارة وعليها ثم على المجتمع وكان ارتباكه مبررا لدخولي في سياق الحديث وأخبره انني التقيت بها وتحدثت طويلا اليها وعلمت الكثير الكثير من المعطيات والتفاصيل في حياتها وسمحت لنفسي أن أأخذ زمام المبادرة والتحدث باسمك بكثير من الثقة كي نساهم معا بمساعدتها ,وكوني على ثقة أنك لن توفر جهدا لمساعدتها وأعلم انك تعرفني جيدا وتعرف مقاصدي وسلوكي قد وعدتها أن نذهب اليها هذا المساء أنا وأنت ,
شعرت بتغير على قسمات وجهه وكان الحرج والإنزعاج باديان على وجهه ,قال بحدة أنا طلبت منها ان تقبر نفسها في المنزل ولا تغادره لكنها تمردت علي وعلى الجميع وتحدتني بطريقة لا يمكن أن اسامحها عليها ,قلت له هدّأ من روعك ولنتحدث بحكمة ومنطق , الفتاة لا تتصرف بكامل ارادتها وعقلها وأنا وأنت نعرف خامتها النظيفة وأخلاقها الحسنة , ما حصل كان انهيارا نفسيا لهذه الفتاة بعد أن عصفت داخلها زوابع العاطفة وأنواء الفكر , بعد أن بلغ الحرمان من كل شيء حد الإحتضار , هيفاء وبفضلك وفضل الظروف والمجتمع اصبحت رهينة لنظريات لا تغني عن دفء ولا عن جوع أوكساء , قبلت مجموعة ظروف تحت وطئة الحاجة وتحت وطئة الأخلاق والعيب والخجل والحرمان , تحت وطئة الحلم والأماني , كانت جميعها تدفع عودها الطري وعقلها الباحث عن أجوبة لكل تساؤلاتها يسقطان أمام هذه الرياح التي وضعتها أنت في وجهها ,
قال بشيء من الإحتجاج, أنا..؟ وما شأني بكل تصرفاتها, أنا فتحت لها الأبواب والمجالات للدخول الى معترك الحياة و جذوة المجتمع ,وفرت لها كل ما استطعت لمساعدتها في بناء شخصيتها وتحسين حالها حتى تحملت اعباء مالية لأجلها ولأجل اسرة أخي التي هي أحد أفرادها , أتحت لها مناخا من اللقاءات مع مجموعة من الأصدقاء من أهل العلم والفكر , وفرت لها غطاء للتعامل الثقافي مع هؤلاء الاصدقاء قل ما توفر لقريناتها ,من البنات في مجتمع مثل مجتمعنا , إنك تظلمني حين تحملني المسؤولية , قلت له . أنا أعرف كل هذا وهذا ما دفعني الان للمجيء اليك وللمراهنة على موقفك في تفهم موقفي اولا ومساعدة هيفاء للخروج مما تعانيه , ربما كان هناك بعض الخطأ في هذا المناخ الذي وفرته لها أنت دون قصد منك , ولا أريد أن أضايقك لكنني لي الكثير من التحفظات على بعض الأشخاص ممن يترددون إلى منزلك واللذين تعتبرهم أنهم على مستوى من الخلق والعلم , وهذا كله ليس مهما الان بل علينا أن نتفق على ما يجب عمله ,
قال بطريقة أبدت رغبته بعدم التوغل في الحديث عن عالمه , حسنا أنا جاهز
كانت لقريتنا طبيعة خاصة ,كانت تلك الندوب البازلتية المنبعثة من التلال المجاورة كأحداق( ميدوزا) توحي بقسوة هذه الطبيعة وكان فصل الشتاء برياحة العاصفة وبرده القارص هو الوجه الطبيعي لهذه البيئة ,كانت بيوت القرية تنبسط على رقعة ذات امتدادات اربعة آخذة بالتوسع باتجاه سهولها الشاسعة و المحاطة بمجموعة صغيرة من التلال منبسطة على مساحة مستقيمة من الارض البركانية ذات التربة الحمراء تحتضنها سلسلة من الجبال المتمددة من جنوب غربها ألى جنوب شرقها يتخللها بعض الفجوات التي تسمح للتيارات الهوائية أن تجعل مساءاتها مسرحا لمداعباتها المزعجة في معظم الأحيان ,كان هذا المنظر الذي يراودني من صغري بأن العالم ينتهي عند ذلك الافق المرصوص بتلال متناثرة من الشمال والغرب وتلك السلسلة الجبلية جنوبا كأنما على هذا المتكأ تستند عليه السماء ,
في هذاالمناخ وبعد مغيب الشمس كنا نسير أنا وعمها باتجاه بيت هيفاء وكان الطريق الترابي الذي يتوجب علينا أن نقطعه اكثر من كيلومتر يتخلله ارتفاع مستمر للوصول إلى ذلك الكتف المرتفع حيث يقع بيت هيفاء
كانت هذه المسافة وهذا الجو اللطيف الذي تبقى من انفاس ايلول كفيلان أن يتيحا المجال لمزيد من الأحاديث الوجدانية المنفلتة من مشاعرنا والتي جعلت الدمع يطفح مرات عدة في عيون عمّها وهو يشير لبعض الظروف التي يعاني منها هو كرجل مع هذا المجتمع الجائر فكيف لفتاة بعمر هيفاء ,
كأنما الدجى بدأ يبدد الحرج من مألوفنا وتلك النسمة المستيقظة من أهداب المغيب تحرض على التمرد ’ قال لي هناك اشياء أن لا تعلمها ولن تعلمها عني,لكنني أأوكد لك أن هذا المجتمع مجتمع متوحش على الرغم من كل علامات البساطة وملامح الطيبة التي تعتلي قسماته ,أنت تعرف اسرتي وفاقتها وفقرها, نشأنا أنا وأخي في هذا البيت وأختايَ اللواتي تزوجن في سن مبكرة وانتشلتهما الأقدار من بيئة معدومة وبيقت مع أخي نتحمل صلف الناس على والدي وصلف الأطفال علينا كنا نشعر منذ نعومة اظفارنا بهذا العجز المميت وهذه الدونية التي ننتمي اليها كأسرة كاملة كان أخي الأكبر نتاجا طبيعيا لتلك البيئة فهو كما تراه انسان مستلب ضعيف الشخصية مستسلم لأنه نشأ وكبر وتعود على حاله تعود على الإنصياع وعدم المواجهة وتعود أن يبتسم ساخرا حين يسخر منه الأخرين , أخي تعود ورضي بواقعه كما يقول نعيش كما عاش والدنا وهذا قدر أخذناه بالوراثة ,لكن أنا لم أستطع أن أتعود ولا أن أقبل هذا الواقع , منذ كنت صغيرا كنت أبحث عن مخرج من هذا الواقع وكنت اتقرب إلى أبناء العائلات المتنفذة واوطّد العلاقة معهم وأتحمل صفاقة واحد كي أحمي نفسي من صفاقة الأخرين ,كان أكثر ما يزعجني المتوددين الذين يشعرونك بالإهانة من خلال تصنعهم وابتذالهم في التعامل معنا , كنت أشعر بمنيتهم وهم يشعرونني أنهم يتواصعون لأجلنا , هكذا وجدت نفسي رافضا لهؤلاء المحسنين بعواطفهم ةقررت أن اجد لنفسي مكانا مرموقاََ وتطورت معي لغاية المرحلة الإعدادية كنت قد بدأت أحول هذه العلاقة إلى الندية ,كنت لا أتوانى عن اية فرصة تمنحني بعض الإمتياز والقوة ,وكنت الجأ إلى الحيلة والحنكة بل أستطيع أن اسميها الحكمة وكنت اتحاشى المواجهة بقدر الإمكان ,كنت ابذل جهدا في الدورات الكشفية كي اتميز خاصة في مرحلة الشبيبة ,
حين اضطررت أن أترك الدراسة بعد وفاة والدي
كنت أدرك حجم الخسارة ,لكنني وضعت نصب عيني أن اكمل بتقديم الثانوية العامة تقديما حرا و بدأت استغل كافة الفرص حين تقع في متناول يدي بل كنت أتسلق اليها , انتسبت إلى الحزب , وكنت على علاقة جيدة مع الأعضاء البارزين
وبدأت أحقق لنفسي مكاسب حزبية تعززت بخروجي من الدائرة الضيقة وربما بدأت علاقات من نوع اخر مع من هم على مستوى أرفع وكانت الفرصة جيدة كي أحقق اعتباري , وقد حصلت على الثانوية العامة اثناء خدمتي العسكرية مما أتاح لي التمتع ببعض الإمتيازات التي تنامت خلال هذه التجربة , وقد استغليت علاقتي بتسهيل انخراطي في حقل التدريس وأصبح اسمي الأستاذ عزمي هذا اللقب الذي كنت مستعدا أن أد
فع نصف عمري للحصول عليه , وهنا بدأت أحقق ذاتي وأخرج من دائرة التبعية إلى دائرة المنافسة أو إلى تبعية أخرى تجدي نفعا , ربما كان لي هذه المرة مراكز قوى من نوع أخر أبعد وأوسع من حدود القرية ,
كنت استمع اليه بصمت ولا أحاول مقاطعته لأجد أجوبة على كافة تساؤلاتي التي تدور بنفسي ولأحل كافة الألغاز التي كانت معقدة في شخصيته ,
كنا قد اقتربنا من بيت اخيه وكانت هذه المرة الأولى التي ادخله ,
كانت رائحة الفقر تفوح من داخل هذا البيت بشكل نافذ , كان والدها رجل بسيط صعيف البنية وضعيف الشخصية اجتماعيا , الفقر يحبط الرجال الأقوياء ويسلبهم كبريائهم فكيف الضعفاء منهم , كانت والدتها اكثر ضعفا وسذاجة وتنتمي إلى اسرة اكثر بؤسا وكان الأمر الطبيعي أن تكون نهايتها في بيئة مسحوقة و مغلوبة على أمرها ,

كان المنزل يفتقر الى ابسط وسائل التحضر , حتى الكهرباء لم تصله بعد بسبب ابتعاده عن القرية وكونه يقع في منطقة زراعية وغير منظمة بعد , ,حين دخلت مع عمها وجدت فوضة مربكة في اثاث الغرفة المكون من عدة مفارش غير متجانسة والوسائد المتناثرة كمساند للإتكاء , كنت أحاول أن أخفض نظري ولا اسمح له ان يجول وسط هذه الفوضى كل لا ازيد ارباكهم ,
كان الترحيب من والديها حاراََ وكانت وادتها تبالغ به أكثر , في هذه الأجواء كنت الفتاة تنظر نحوي بخبث مصطنع مع ابتسامة تبلغني شماتتها لأن والدتها تحلق خارج سمائنا , أنقذ عمها عزمي الموقف حين
طلب منهم أن يدعونا نتحدث الى هيفاء بمفردنا لمعالجة أمر هام , وسط دهشة وارتباك رحب والديها بالأمر
وقررنا ان نخرج نحن الى فناء الدار الذي كان عبارة عن ارض برية دون أي سياج , ارضها تراب وسمائها مظلة مرصعة بالنجوم ,
جلسنا على دكة حجرية مغطاة بمفرش كالح ومهترىء في الوقت الذي حضر به الشاي,
تناولت الحديث وقلت لهيفاء سنبدأ من حيث انتهينا عصر هذا اليوم لأننا توصلنا أنا وعمك إلى ذات المسافة التي توصلنا اليها انا وأنت, ونحن الثلاثة متفقون على الإلتزام بكل ما يتفق عليه الأن هل أنتِ جاهزة ؟,قالت هيفاء بمنطق حازم كمن سيقوم بعملية حربية أنا مستعدة وأعدكم بالإلتزام ,قلت لعمها وأنت هل ستلتزم بدورك الرئيسي في هذه المهمة ؟ , أجاب بالتأكيد اخذا زمام الحديث , إبنة أخي نحن في غابة من الذئاب والمنطق يقول أن نتقي شرهم ونبتعد عنهم ,تصرفاتك وحركاتك في الأونة الأخيرة أثارت فضول البعض وحركت كيد البعض الأخر وشجع الإنتهازيين على الاصطياد بالماء العكر ,
نحن حاولنا ان نفهم ما حدث وما يحدث كي نخرج من هذه المسألة لا كي ندينك , لكنك ستدانين من الان وصاعدا سيحسب عليك تصرفك إذا كان خطأ وستدفعين الثمن بمفردك , هنا شعرت بأن لهجته أخذت تتجه إلى مسار لا يخدمنا وبه من التهديد ما يضر أكثر مما ينفع ,
قلت اولا يا صديقتي عليك ان تغيبي عن الأنظار وتدعي الناس تنسى قليلا , على شرط أن تظهري من وقت لأخر لكن ليس بمفردك بل برفقة عمك ,أريد منك أن لاتسيري في اي مكان بمفردك وأن تلتزمي بالظهور دائما من خلال عمك , على الأقل مدة 3 شهور وبعدها تقيمين انت أكثر من غيرك ردود الفعل عند الفضوليين ,في هذه الأثناء عليكي ان تستغلي هذا الوقت بالمطالعة المنهجية والمحددة بكتب ادبية , في الوقت نفسه سنجلب لك كتب الثانوية العامة القسم الأدبي وتبدأين بدراستها منذ الان اي قبل عام من الاستحقاق , وحين تعودين الى سلم المجتمع بخطوات ثابتة ستكون المهمة الاولى ايجاد عمل لك وهذه مهمة عمك كونه يستطيع الاستفادة من بعض علاقاته ,
ة ,كانت الفتاة تبدو راضية ومقتنعة لما
اتفقنا عليه وأكدت لي تعاونها شاكرة لي اهتمامي بها ,وبعد قضاء حوال ثلاث ساعات عدت ادراجي بصحبة عمها بعد ان طلبت منها الكتاب وأكدت لها انني سأعيده بعد بواسطة عمها ..
ودعت عمها وعدت إلى بيتي مسرعا لتصفح هذا الكتاب .
كان حجم الكتاب 327 صفحة وكنت عازما على قرائته تلك الليلة لكن
ما وجدته بين سطوره جعلني اقرأ أتلكأ في قراءة الكتاب واضيع بين سطوره
كان الكتاب يحتوي على اضافات وملاحظات كثيرة مكتوبة بقلم الرصاص
وكانت بعض التوصيات في الصفحةالأول بجوار الهامش
منها ..
إذا أردت أن تتجنب القلق,فأفعل ما فعله سير وليم أوسلر: عش في نطاق يومك ولا تقلق على المستقبل.عش اليوم حتى يحن وقت النوم.
عندما تأخذ المشكلات منك ولا تستطيع منها فكاكا ً,جرب الطريقة السحرية التي فعلها ويليس كاريير.
هيئ نفسك ذهنيا ً لقبول أسوأ الاحتمالات إذا لزم الأمر.
-حاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من هذا الاحتمال الذي هو أسوأ الاحتمالات ,والذي أعددت نفسك نفسيا ً لقبوله.
-عندما أحاول استخلاص الحقائق أتظاهر كأنما استخلصها لا لنفسي وإنما لشخص أخر وهذا الاتجاه الذهني يساعدنا على اتخاذ نظرة محايدة إلى الحقائق مجردة من العاطفة.
لا أدري لماذا كنت ارى هيفاء وسط كل هذا الكلام وكنت اضع نفسي بمكانها لأرى ما يحدث لي من تأثير
وهنا هذه الفقرة ايضا
(-استخلص الحقائق المضادة لمصلحتي ثم أدون المجموعتين من الحقائق التي من مصلحتي والتي تنافي مصلحتي وأدرسها جيدا
وغلبا ً ما أجد الرأي السديد شيئا ً يتوسط هذين النقيضين.)
ما زلت اعتقد وقد أكون مخطأ أن هذا الكتاب هو ما جعل هيفاء تنعطف بفكرها وتتحول الى عابثة ومستهترة
(حياتك من صنع افكارك.
إن للأفكار المسيطرة على المرء تأثيرا ً عظميا ً في تكييف حياته.
فإذا نحن راودتنا أفكار سعيدة كنا سعداء ,وإذا تملكتنا أفكار سقية أصبحنا أشقياء ,وإذا ساورتنا أفكار مزعجة غدونا خائفين جبناء,وإذا سيطرت علينا أفكار السقم والمرض فالأرجح أن نمسي مرضى سقماء ,وإذا نحن فكرنا في الفشل أتانا الفشل من غير إبطاء ,وإذا قمنا بندب أنفسنا ونرثي لها اعتزلنا الناس ,وتجنبوا عشرتنا .
المواجهة تعني إدراك كنه المشكلة واتخاذ الخطوات الايجابية اللازمة لحلها في هدوء واتزان .وأما القلق فيعني اللف والدوران حول المشكلات من غير وعي ولا إدراك. )
رأيت اشياء كثيرة في هذا الكتاب على الرغم من اهميته في فلك الفلسفة لكنه ربما كان له تأثير سلبي على فتاة مازالت في ريعانها الفكري وتشتتها العاطفي وتضاربات احلامها وامالها خارجة من الواقع من بابه العريض , أدركت وفهمت كافة الظروف التي دفعت هذه الفتاة لما وصلت اليه, لم يكن سببا واحدا بل كانت مجموعة اسباب تلاقت وشكلت هذه الإنعطافة في شخصيتها ,ضحكت وأنا أقرأ بعض الجمل والكلام المأثور بين سطور الكتاب , عرفت ماذا يريد أن يوصل الأستاذ من خلال اعارتها هذا الكتاب ولم يفوتني أن الفت نظر هيفاء في زيارتي لها بعد أن أنهيت قرائة الكتاب , قالت لي نعم انك على حق ولسنا بصدد تصرفاتة المبطنة , لكن اعدك من الان فصاعدا سأكون محصنة حتى في قراءاتي.
بدأت تستعيد ذاتها وتوازنها وعادت إلى طبيعتها وسلوكها القديم الا من تلك الغمامة المغلفة بالحزن التي لا تفارق نظرتهاهناك شيء غامض كأنما كانت تستشعره في بواطن الايام التي لم تمهلها كثيرا .
كان الهدوء قد غمر كل شيء وسادت السكينة في نفسها كأنما تنتظر فارس الحلم , دأبت الحياة على هوينة وصعدت أدراج الغيم هناك على منصة من غمام أسدلت جفونها تداعب مخابىء النوم وغابت في سبات عميق .
تركت خلفها إشارات تعجب وإشارات استفهام.
أهكذا ذبلت في ريعان العمر ومازال ربيعها يتكمم بالزهور ويوعد بالعطر ؟ هكذا ترحل مسرعة من غير وداع تاركة على الشفاه أسئلة أصبحت ميتة وفي العيون نظرات مفتوحة على الدهشة .
هكذا رحلت واصبحت ذكرى تلاشت في أذهان الناس وبقي منها القليل في النفوس النظيفة التي اقتربت منها ذات يوم لتمسح جبينها براحة بيضاء لا يشبه طهرها سوى أكف الانبياء .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taisir.yoo7.com
تيسير نصرالدين
Admin


عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 26/12/2010

مُساهمةموضوع: ثائر من بلدي    الأحد ديسمبر 26, 2010 11:20 pm



ققد يذهب الإنسان إلى أبعد نقطة في هذه الأرض ليكتشف أحب شيء إلى نفسه. وقد يذهب إلى اّخر أصقاع الدنيا ليبحث عن شيء قد يكون في جدار بيته أو في أرض داره .وقد ينقب في أدبيات الشعوب عن فصول للبطولة عن ملاحم وتغاريب وتشاريق . يسافر بين السطور يبحث على الورق عن وطنِِ يتشابه مع أحلامه أو عن بطولات وهمية يهرب إليها من هزائمه المتوارثة وانكساراته اليومية ليرتدي قبعة ثائرِِ من أميركة اللاتينية أو يرسم على جبينه عقدة متمردِِ من شخصيات الأدب الروسي . في هذه المرة سأذهب إلى ركونِِ ما تزال دافئة ومازالت أنفاس أصحابها عابقة في المكان أبطال حقيقيون من لحم ودم كانوا هنا منذ زمنِِ قصير ينظرون إلينا كنسور هرمة قيّس العمرأجنحتها ولكن ما زالت أحداقها جارحة . في تلك البيوت الحجرية السميكة الجدران في المضافات العتيقة كان الحديث يدورفي حكايا المساء ينسج مع الدخان المتصاعد من مواقد الشتاء رقصات تتبدد في ذاكرة المضافات. أركانٌ نسيها أصحابها أو هجرها ,أهلها وكذلك التاريخ تجاهل الرجال الذين سطّروا البطولات بأبجدية مضرجة بالجراح.. كأنما الفقراء ليس لهم مكان في الصف الأول إلاّ عندما تُدفع ضرائب الدم أو عندما تتقيء الأوطان أبنائها على دروب الهجرة .أمّا في تقاسم الأمجاد والولائم والغنائم فهم دائماََ في الصف الأخير .لذلك هم كثر الجنود المجهولين الذي لم يتكلم عنهم أحد وتجاهلهم التاريخ . (( فؤاد طربيه))الذي قضى بقية عمره مكافحاََ من أجل لقمة العيش بعد أن بدأه مكافحاًً من أجل لقمة الحرية .
كان في السابعة عشر من عمره عندما كان مسؤل ارتباط ببن الملتحقين من أبناء المنطقة الثوار المنتشرين في أماكن متفرقة من أطراف البادية مابين (المفردة ووادي كلات وانباش المنطقة الممتدة إلى أرض الكراع اي المنطقة الشرقية بعد قرية بارك ورضيمة الشرفية ), كان يتصل بشخصيات غابتني أسمائها في قرية الخالدية ولاهثة وبثينة ويقوم بالاتصال بالقاوقجي وثوار الغوطة للتنسيق في الحاق المجندين الفارين من الجيش الفرنسي من أصول عربية خاصة من المغرب العربي ويلحقهم بالثوار, تعرض مع الملتحقين الجدد في أكثر من مرة لقصف الطيران الفرنسي وهم يسيرون من قرية لاهثة إلى كلات في أطراف البادية شرقا حيث كان تجمّع بعض الثوار.
.كان نشيطا وشجاع إلى أقصى حد ,وأخبرني بلسانه عن بعض الأحداث الهامة التي حصلت معه , منها أن احد أبناء القرية كان قد أعطى فرسه للدرك التابع للجيش الفرنسي مقابل اجر شهري وعرف به الثوار فعقدو العزم على تفجير داره , توسط فؤاد طربيه وأقنع الثوار أن يعطوه الفرصة كي يكلم هذا الشخص وما كان من هذا الشخص إلاّ أن ذهب وسحب فرسه على الفور وكلفه أن ينقل اعتذاره إلى الثوار . ظروف اعتقاله تمت أثناء تواجده في قريته الجنينة وكان قد أتى شخصا يدعى حمد غيث من ابناء قرية الجنينة لديه بندقية إم كركر (بتسوى بنت ) على حد تعبيره وجاء كي يقنعه ان يهديها للثوار إذا لا يريد المشاركة بالثورة لكن الرجل قدم نفسه مع البندقية واتفقا أن يذهبا سويا في الغد الباكر (كان الثوار يطلقون على أنفسهم إسم العصابة) في تلك الأثناء جاء من يحذره أن العسكر الفرنسي منتشر في البلد وداهموا منزله واستولوا على سلاحه الذي كان متعودا أن يتركه في المنزل اثناء تجواله في القرية .لم يكن أمامه سوى الفرار من شباك المضافة ليجد أن الجنود الفرنسيين يطاردونه في شوارع القرية , استطاع بحكم خبرته بطبيعة قريته أت يفلت من أكثر من كمين لكن المطاردة استمرت ليدخل إحدى البيوت الرومانية ويختبىء في كهف يستخدمه أهل الدار لأغراض عدة , فطوق العسكر المكان دون أن يجرىء احد على الدخول وكلمه احد المستزلمين من أبناء المنطقة ليسلم نفسه وإلا سيهدمون المكان عليه بالديناميت ووعده أنه في وجه الكومندان الفرنسي , فرد عليهم خسئتم ان أخرج بوجه كالح لفرنسي أجرب ,أنا أخرج بوجه سلطان الأطرش فقط , وبعد قضاء بعض الوقت تفاوض معه بعض الوجوه والأصدقاء من أبناء البلد أن يسلم نفسه لأنهم سيفجرون المكان إذا رفض وكان شرطه أن يتعهدوا له إذا خرج أن يتعاملو معه باحترام وأن لايمس بسوء أو تذل كرامته أمام أبناء قريته , هذا ماحصل فعلا وتم ذلك أنهم اقتادوه مكبل اليدين دون أن يتعرض له أحد .
اقتادوه إلى أحد البيوت الذي اتخذها الضابط الفرنسي محطة له وهوبيت نفس الشخص الذي أبلغ عنه ومع الأسف كان أحد وجوه القرية ليجد أن بندقيته وقنبلتان وصندوق للصيغة ورثه عن والدته في حوزة الضابط الفرنسي .
سأله الضابط ماهذا ؟ أجابه إنه سلاحي قال له الضابط لماذا بحوزتك هذه القنابل؟ أجابه لأنني ثائر : قال الضابط لماذا أنت ثائر؟ أجابه إن الجبل ثائر وسلطان الأطرش ثائر وأنا من ربع سلطان وإبنٌ لهذا الجبل فقال له بالفرنسية بون.
اقتادوه إلى مدينة شهبا قبل أن ينقلوه إلى دمشق وتعرض لكافة أنواع التعذيب من اللذع بالكهرباء إلى شواء أقدامه على موقدة الفحم الحجري المتجمرة وكان يشتم رائحة لحمه المشوي أثناء استجوابه لكن كان إيمانه ووفائه أقوى(كان يضحك كلاأطفال وهو يقول كنت اسمع الحم يعمل طشش). هؤلاء الرجال لم يكن لديهم حزب سياسي ولا ايديولوجيات ولم يبحّوا حناجرهم في صياغة الشعارت و الأناشيد الثورية. كان لهم أخلاقهم الصارمة وأدبياتهم الصارمة لذلك هم يربطون بين الكلمة والفعل ومن أهازيجهم ( يا بوكذيل الهلهلي الموت أخير من الذلي) وإذا كان من الذل أن تبوح بأسرارمن أتمنوك ومن الذل ان تخون قضيتك و وطنك إذاََ الموت أخّيَر من هنا نستطيع أن نعرف كيف يهزم الجلادون ولم تهزم إرادة الرجال.
الجدير بالذكر أن أنوه عن مسألة مهمة وأرويها لكم كما رواها لي بالضبط. قال ...أخذوني على المحكمة وكان محامي فرنسي يدافع عني ونادوا علي اول ما سمعت اسمي فؤاد طربيه هزت الدنيا ؟. استوقفني هنا التساؤل لأفهم أنها حصلت هزة أرضية في هذه الأثناء .
ومن بعض المحكومين معه أذكر الشيخ يحيى نوفل حكم عليه بالإعدام . وأخيه حمد نوفل وإبراهيم جمّول وجميل قرضاب وفؤاد طربيه أربعون عاماََ سجن مع النفي وبعد الإستئناف لغي النفي وقضى فؤاد طربيه إثنا عشرة عاماََ في السجن ليشمله العفو الذي صدر عن جميع الثوار ليعود ويبدأ رحلة العمر الطويلة حيث عاش في الظل مقارعاََ سنين الفقر دون كلل ودون تذمر سألته مراراً وهو يحمل على ظهره كيساََ من الخضار و كان قد تجاوز الثمانين من العمر لماذا لا تطالب براتب منحته الدولة للمحاربين القدامى( المجاهدين) ؟ كان يرد بعفويته أنا لاأتسول .ولم أدافع عن وطني كي أتقاضى اجرا , أقول له هذا ليس تسول إنه من خير هذا الوطن وأنت أحق الناس به يقول مبتسماََهم يعرفون من حارب ومن توارب يعرفون ... يعرفون ويتجاهلون وطالما فلان الداسوس أي( العميل ) الذي وشى بي للفرنساوي وأبلغهم عني وعن كثيرون غيري ناله راتب المجاهدين على الرغم أنهم كانوا جواسيس (دواسيس )وصاحبنا الذي وشى عني وكان عميلا لحقه الراتب (أكلها على النقارتين أخو الدياني) ويمضي ضاحكاََ محلقاََ في فضاءات نفسه العزيزة(كالطائر الحر) ليدخل عامه التسعين وتوافيه المنيّة عام1989وربما لم يعرف هذه الاحداث غيري لأن الفقراء ليس لهم مكان في الصف الأول إلاّ عندما تُدفع ضرائب الدم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taisir.yoo7.com
 
...القصة...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المدونة  :: القصة والأدب-
انتقل الى: