المدونة

نتاج السنين شعر, أدب, سياسة
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ديوان أخت ذاك القمر
الأربعاء ديسمبر 24, 2014 2:46 pm من طرف تيسير نصرالدين

» المفارد
الإثنين ديسمبر 22, 2014 11:24 pm من طرف تيسير نصرالدين

» ديوان عطور القوافي
الأحد ديسمبر 21, 2014 10:55 pm من طرف تيسير نصرالدين

» شقو الستارة
الأحد ديسمبر 21, 2014 1:12 pm من طرف تيسير نصرالدين

» إهداء
الثلاثاء أغسطس 19, 2014 2:07 pm من طرف تيسير نصرالدين

» زجل مع الشاعر فراس عبيد
الأحد مارس 11, 2012 7:23 pm من طرف تيسير نصرالدين

» لعنة الاشتياق
السبت سبتمبر 24, 2011 6:51 pm من طرف تيسير نصرالدين

» النخبة
السبت سبتمبر 24, 2011 6:46 pm من طرف تيسير نصرالدين

» وجهة سمع
السبت سبتمبر 24, 2011 6:45 pm من طرف تيسير نصرالدين

ازرار التصفُّح

مدونتي

التبادل الاعلاني
                                                                   
   
 
 
 
 
 

 

شاطر | 
 

 الهجرة الأخيرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
تيسير نصرالدين
Admin


عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 26/12/2010

مُساهمةموضوع: الهجرة الأخيرة    الثلاثاء ديسمبر 28, 2010 11:28 pm


الهجرة خطا تسير باتجاه الحلم أو باتجاه الرغيف.
تطارد الأماني المتطايرة كالعصافير
وبغفلة عن الزمن ترميك في منتصف الطريق

حين تسترجع مصاعب االرحلة وأنت تتأبط يد القدر
أوأن يد القدر تدفعك باتجاه واحد على الرغم من عنادك المستميت
تدرك أن هذا الطريق هو لك إما أن تسيره ببعض إرادتك وإما أن تقطعه رغما عنها
في هذه الحياة مواقف لاتنفع فيها الشطارة ولا تشفع لها الجسارة
يحدث فيها شييء ما على غفلة ويغير مجرى الحياة كلها .
رحلتي أنا كنت طويلة وكانت متنوعة ومثيرة أحيانا .
سأتحدث عن يوميات لم تكن عادية وسأحاول أن أهذب ماستطعت من قسوة الأيام وقسوة البشر بل سأحذف مقاطعا كثيرة لاتسمح بها رقابة الذات حاليا خاصة تلك التي تلامس مواضع الألم في نفسي كي أجنب نفوسكم طعم هذات الألم .
اليوم تحولت المعاناة إلى مجرد ذكرى انها مجرد ذكرى مليئة بكل شيء لكن لا أنكر أنها كانت تمتلك متسع ومساحة للفرح وللحب في أكثر الظروف مآساوية وفي أكثر اللحظات تألما.
أن أدب الحياة ينطلق من تجارب فردية تتفاوت وتختلف في عمقها وشكلها وطريقة رصدها بل وطريقة سردها , لكن الأهم أنها تجربة حياة .
الخطوة الأولى امتلاك القرار المعاكس بعد أن كنت قد أتخذت قرارا بالإستقرار في وطني كجانب أخلاقي من واجبات المواطنة وكمفهوم عملي يتطابق مع طموح وانتماء وهوية وربما أحلام أو أوهام .
بدأت رحتلي في تأسيس عمل لي في مدينة دمشق وقد نجحت في ذلك نجاحا ملموسا وحققت دخلا شهريا أكثر من جيد جدا وعالي نسبة بالدخول العادية .
لكن جانب العلاقاات العامة والخاصة بدأ يصطدم بمنغصات يومية كنت أتعمد مشاكستها بل مواجهتها باستمرار مما اعطت حياتي جانبا صداميا مع كل ما حولي عدا شغلي الذي كان جيدا وناجحا , لكن المشكلة ربما هي الهزيمة الأولى التي تمر بي وتشعرني بثقلها
كنت قد مررت مبكرا بنكائد العيش, ومسراته أيضا .
كان للعسر حظا وفيرا في طريقي , لكنه القدر ... وإن يحلو لنا أحيانا أن نقول نحن نصنع أقدارنا , لكن ما كان يحدث معي كان خارجا عن المألوف , لم يكن لبعض الوقائع مبررات واقعية, حتما أن القدر ليس له عنوان واسم ورقم هوية , لكنه موجود في كافة المنعطفات ووجوه المارة وعجلات السيارت والأصص الموزعة على الشرفات , في شرطي السير وموظف الحكومة , في سائق الباص وسائق التكسي. قد يوزع القدر مكائده ومصائده ومحاسنه في جميع هؤلاء .
كانت الإنكسارات والهزائم قد بدأت تظهر اثارها على ملامحي ,نعم لقد شعرت بالإنكسار يعم نفسي مرفقا بغمامة من الحزن تغلف كل شيء حولي بالسوادولم يسلم من هذه الإنكسارات سوى ارادتي نسبيا .
تبدلت الأحلام والرؤى وتقلص الحلم من وطن فسيح إلى جواز سفر بعد أن خذلتني صبوتي ,جواز السفر أصبح أم القضايا وأبو الأحلام كلها لا أدري كم مضى من الحلم لكنني أدري كم مضى من الوقت , إنه الحول المكّون من إثني عشر شهرا ضاقت خلالها الدنياوانحسر سقف السماء وأنا أبحث عن جواز السفر .
مسافة طويلة من الزمن والعذاب سأختصرها بجملة واحدة ,جواز السفر في جيبي ’ لم يبقى أمامي سوى أن أجد من يبتزني من جديد للحصول على تأشيرة دخول لبلد أجنبي وكان الأرجح أن تكون ايطاليا لأن لي فيها قريب قد يمد لي يد العون .
كانت خطواتي تتعثر كمن يسير بعكس سيل جارف , كل شيء كان عسير ا و يسير بصعوبة ,كنت أعد نفسي أن غزو غزوة طارف ابن زياد واقسمت أنني سأحرق جميع المراكب.
كانت الطائرة تهبط في مطار اليونان وأنا أرتب أوراقي واعيد أعتبارات لبعض الأوراق التي اسقطتها من حساباتي .
عشرة أعوام مضت امضيتها هدرا اصارع طواحين الهواء . كنت واحدا من قبائل دونكيشوت وكان مثلي كثيرون يعتمرون الوهم بزة للمجد .
لكن دونكيشوت مات كما يموت الأبطال أما أنا أهرب من حزني كالجبناء .
كنت اشعر حين دخلت اثينا أنها مدينة لاتعنيني بشيء لم أطيل النظر في شوارعها ولا اسواقها توجهت مسرعا باتجاه الفندق ودخلت غرفتي كي أمحو خطوات النهار وأكون شكلا للحلم القادم.

-2-

جلست على كرسي وحيد في غرفة الفندق وكتبت في دفتري مايلي ,!
يستيقظون على هجرة ويمسون على رحيل , لهم وجهة يعرفها النزوع دون عناء كي يتحتّم الوصول إلى معاناة لا تنتهي ,رحلة تبدأ بفكرة حالمة وتنتهي بحلم مقتول وفي أحسن الحالات حلم بلغ سن التقاعد , حين تغادر وطنك يتخلف عنك شيئ ما ولا تشعر بفقدانه إلا بعد حين وغالبا مايصعب تحديده إذا تختلط عليك المشاعر .
أهي طفولة تمر عليك وتفرط حبات مباهجها؟ , أم أنها تبكي على مساحات اللعب الفسيح ووجه أم بشوش يقطر من شهد اللسان كلاما كالتلاوة , أم أنه العشق الذي ينقش على حجارة البازلت ظلك ولون عينيك ويترك رائحة جلدك تعشش في ثنايا الجدار؟.
أم أنها الرغبة بالتسلق على الجدار حيث يتربع حوض النعناع المعلق كحدائق بابل ؟.
يالله كم من الشوق ينهمر وأنا لم أغادرك بعد, هنا في أثينا أقترب منك أكثر, لكن لا ادري لماذا كل هذا الصقيع بدأ يتسرب إلى جسدي.
كانت ليلة مختلفة بعض الشي,كانت المشاعر في حالة من الثمالة ,تتأرجح بين الحلم والواقع وبين الخوف والمغامرة , حاولت أن أسترجع بعض الصور الجميلة وأنا في سريري ولم أشعر بعدها بشيء. استيقظت على رنين الهاتف ليقول لي موظف الأستعلامات أمامك ساعة للذهاب إلى المطار, يمكنك تناول الإفطار قبل المغادرة واصفا لي طريق المطعم .
وصلت إلى المطار مع مجموعة صغيرة من المسافرين القادمين من الفندق وصعدنا إلى الطائرة المتوجهة إلى ميلانو بعد الإجراءات الروتينية وكان كل شيئ على مايرام .
بعد أن اقتربت الطائرة من أجواء أيطاليا كنت استرق النظر من النافذة لأرى البحر يقترب منا قبل ان يغيب لترتسم معالم المدن والمساحات الخضراء التي لا تنتهي عند اي حد وقد فتنتني بجمالها قبل أن تطئ قدمي أرضها .
صفق الركاب لقائد الطائرة بعد أن هبطت برفق وهوينة ونزلنا جميعنا باتجاه المخرج يتبع واحدنا الآخر كسرب النمل إلى أن وصلنا إلى إلى بهو كبير ينتهي بدعائم تشكل ممر قسري ينقسم بعدها إلى فرعين يعبر من أحدهم المواطنين لمجرد ابراز جوازهم والممر الآخر نعبر منه نحن ويختم شرطي جواز سفرنا وصلت إلى الشرطي مقدما له جواز سفري بكل اطمئنان منتظرا أن يختمه لي, لكنه تاخر أكثر من اللازم في التفرس بين صفحاته وبعدها نادى على زميل له ليشاركة التمعن في شيئ ما ثم ناداني الشرطي إلى مكتب مجاور وقال بإنكليزية ركيكة أن تاشيرتك غير سليمة ولا يمكنك الدخول واضح أن هناك عبث في تاريخ صدور التأشيرة , قلت له بانكليزية أرك إذا كان هناك أي خطأ فهو خطأ سفارتكم ياسيدي لأنهم قد عدلوا لي تاريخ التأشيرة بعد صدورها كوني مددت تاريخ سفري ثلاثة أيام وقد راجعتهم وقاموا هم بالإجراءات وإن لم يضعوا الختم فهذا خطأهم وليس خطئي ’ بدأت تتصاعد وتيرة الحوار وكان البعض منهم يرفع صوته ويشير الي متحدثا بالإيطالية دون أن افهم ماذا يقول , لكنني كنت أردد أي خطأ ترونه فهو خطأ سفارتكم وبالإمكان التاكد والإتصال بالسفارة .
وصلت معهم إلى حوار طرشان وعلى مايبدو أن أحدهم وهو الأكثر عدوانية طلب مني فتح حقائبي واخذ يفتشها بطريقة انتقامية وينعث حوائجي بهمجية وعند احتجاجي عليه قفل الحقائب وتحدث إلى من معه وقال اتبعني .
هنا بدأت اشعر بالخطر وأن هذه الحالة تنذر بما لا يحمد عقباه محاولا إدارة أي حوار معهم لكنهم كانوا يسيرون دون اهتمام لما أقوله وأخذ مني أحدهم إحدى الحقائب وأخذوا يسرعون الخطى,وصلنا أمام مكتب شركة الطيران اليونانية ورايته يختم لي بطاقة الطائرة وبعدها ختم لي جواز السفر وقال لي هيا اتبعني .
ليس هناك من شفاعة لحالي ولا منطق لما يحصل معي, التفاصيل التي الغيتها هي وحدها تبين حجم المعاناة التي عانيتها قبل سفري والآن ماذا علي أن أفعل أمام هذه الكارثة ’ ما هي الطريقة الأمثل التي يمكن لها ان تكون في ردة فعلي وتعاملي مع الحدث .
لا أحد يعطني المجال حتى أن أفكر هناك من يدفعني كي أسرع الخطى باتجاه باحة المطار ,وأنا ابحث عن لحظة نجاة كغريق في وسط المحيط ,ولم اجد سوىتلك العوارض المعدنية كي اتمسك بها مقاوما لدفعهم لي خارج البلاد ,تمسكت بإحدى العوارض رافضا السير معهم , هنا انقض علي الأكثر عدوانية واقتلعني بكلتا يديه وساعده الآخربانتزاع يدي وسحباني باتجاه المطار بينما تقدم ثالث حاملا حقائبي وسط ذهولي وغضبي واحتجاجي الذي يضيع كأي شيء تافه في هذا العالم الحر , و لاحياة لمن تندادي .
وصلنا إلى الرصيف الخارجي حيثت توقفت سيارة صغيرة وفتح سائقها الباب وكان يرتدي ثيابا مدنية وحشروني الشرطيين داخل السيارة ووضع الآخر حقائبي في صندوق السيارة وتحركت بسرعة قسوى نحو المدرجات حيث تجثم طائرة عرفتها على الفور أنها نفس الطائرة التي قدمت على متنهامن اثينا , كان سائق السيارة يسير مسرعا وهو يردد موجها كلامه لي انا اسف جدا من اجلك أنا حقا آسف ألى أن توقف عند سلم الطائرة .
كانت السماء أكثر انخفاضا من العادة وأكثر قتامة وقد تخيل لي أن روحي قد خلعت جسدي هناك عند سلم الطائرة ومضت , شعرت بالتعب واليأس لكن هناك شيء ما بقي يحرضني على التمرد والمشاكسة , نظرت إلى الشرطي العدواني وشتمته بالعربية لقد عرف ذلك وقد أجابني حتما بشتيمة بلغته الإيطالية وقال لي إصعد إلى الطائرة قبل أن أعتقلك بتهمة العنف كان على سلم الطائرة مضيف ومضيفة يستعجلان تقدمنا , قلت لهم لن أصعد قبل أن ارى حقائبي تدخل الطائرة وفعلا هذا ماحصل فرأيت بطن الطائرة يفتح وترمي حقيبتي في جوفها .
دخلت من مؤخرة الطائرة وكان الصف الخلفي شاغرا اقتربت مني مضيفة جميلة وقالت مبتسمة تفضل بالجلوس ,أجبتها لا أريد قالت ارجوك تأخرنا عشرون دقيقة بسببك اجلس !قلت لها إن لم يعجبك الأمر انزليني ,ذهبت غاضبة وأرسلت لي شاب مهذب وأكثر منها لباقة وقال لي بكل ادب ارجوك حرصا على راحة المسافرين أن تتجاوب معنا , قلت له لا أريد الجلوس هنا أريد مقعدا في مقدمة الطائرة وبقرب النافذة,وكان الجو قد تكهرب داخل الطئرة لكنه أدرك أن مشاكستي هذه هي رد فعل طبيعية على ماحصل لي فأوجد لي مكان كما طلبت وقال تفضل أجلس.
كان جاري في المقعد يوناني في العقد الخمسين كان تعاطفه معي واضحا وكان ودودا جدا بعد أن بدأ يخفف عني الغضب ويسألني عن حالي وعرف مشكلتي ,أظهر ذلك عندما بدأ توزيع الطعام ورفضته قائلا للمضيفة وهل انا دفعت ثمن هذه التذكرة كي أتناول طعام الغداء على متن طائرتكم ؟ لا أريد , ابتسم جاري وفتح المنضدة التي امامي وأخذ طبق الطعام ووضعه أمامي , قال كل, هدأ من غضبك كل شيء سيكون على مايرام .
سأعطيك عنوان السفارة الإيطالية في أثينا ربما تستطيع أن تصلح وتنقذ ما يمكن أنقاذه , راقت لي الفكرة قليلا وقلت له كثر الله خيرك وفعلا كتبت العنوان وعدنا إلى مطار اثينا من جديد وسرت على نفس الخطى التي سرت عليها ليلة أمس , لكن هذه المرة استوقفني الشرطي وقال لي تفضل معي

-3-

حاولت لملمة أفكاري وأستيعاب الموقف , قلت له ما الأمر لقد خرجت ليلة أمس دون مشاكل , أجابني نعم لأنك في الأمس كنت تحمل اذنا للدخول على عكس اليوم قلت له عذرا لم أكن أتوقع أن عود مرة ثانية وبهذه السرعة ,قال لي انتظر ونادى رجل امن قادني معه باتجاه قاعة الترانزيت وهو يشرح لي الأمر وبعد أن نظر بتذكرة السفر قال عليك الإنتظار هنا وأشار بيده إلى مكان منفصل عن البهو والممرات يوجد أمامه حراس اثنين من الشرطة يجلسان حول طاولة صغيرة وخلفهم باب يؤدي إلى ممر مستحدث من الجدران الجاهزة وغرفة من نفس الجدران المستعارة وغرفة ثانية من الإسمنت يوجد بها دورة مياه .
قال لي الشرطي تفضل عليك بالبقاء هنا لغاية يوم الثلاثاء القادم أي أمامك هذه الليلة وغدا السبت وبعد غد الأحد وبعد بعد غد الإثنين في صباح الثلاثاء رحلتك إلى دمشق الساعة العاشرة والنصف أرجو لك إقامة هادئة وذهب .
دخلت إلى الغرفة الاسمنتية تحاشيا لدخولي لوجود بعض النساء فوجدتها عامرة بالوجوه الفالحة والكالحة .
لم اجد اي عربي غيري وكان معظمهم من افريقيا وأقول لا يوجد عرب لانني تعرفت على ثلاثة شباب قالوا لي أنهم من السودان لكنهم لا يتكلمون العربية , وكان رجل افريقي مبشر ويوزع صفحات من الإنجيل بطريقة غبية وبعض الاسويين , وضعت حقيبتي قرب دكة من الجلد تسمح للمرء أن يستلقي بجسده عليها وزرعت نفسي في هذا المكان قبل أن أبدأ بالتعرف على المكان واقتربت من الحراس ونحن لدينا عقدة الخوف من الشرطي هذا الشعور أقوى منّا .
قلت له أريد الإتصال بسفارة بلدي , وكنت بقرارة نفسي أتمنى أن يرفض طلبي , لأن مطلبي هو شيء آخر , قال ماذا تريد من السفارة أنت تنتظر رحلتك وليست لديك أية مشكلة معنا .
قلت له أنا اريد أن اسوي وضعي مع السفارة الإيطالية وشرحت له الموقف , قال لي لن يستطيع أن يساعدك أحد في هذا الامر وبدأنا نتبادل الحديث وكان هذا الشرطي ودودا ولبقا بحيث شعرته قريب جدا مني واخذ يمدني بالنصائح خاصة حين تواقح بعض زملائه بالتعامل مع فتاة تشيلية كانت قد أصبحت صديقتي وهذه قصة لن أحذفها كون طياتها ومضمونها إنساني ونزيه .
كان من المفروض أن نشتري طعامنا من مطعم (سناك) قريب من المطاعم الذين يكثرون في قاعات الترانزيت , يذهب برفقة الشرطي الأقدم في المكان ويشتري للجميع بعد أن يسجل الطلبات ويستلم الدرخمات من النزيل .
في اليوم الثاني كنت أنا قد أصبحت أقدم النزلاء وكان علي أن اذهب برفقة الشرطي الذي اصبح صديقي وكأنه نسخة عن أحدما أعرفه من قريتنا وهناك لمست حجم الطيبة والتشابه بيننا نحن وأهل اليونان وقد تحررت من عقدة الخوف نهائيا وكنت امازحه في الطريق وأهرب امامه وكأني أريد الهرب فيجري خلفي مداعبا( مثل توم وجيري) وهكذا قد أصبحنا فعلا اصدقاء .
يوم الاحد وكان اليوم الثالث بالنسبة لي استيقضت على صوت نسائي وكانوا في الغرفة الثانية بعد أن قل عدد النزلاء ولم يكن أحد في غرفتهم وكان معي نزيلان فقط .
خرجت حيث الممر المقابل لغرفتهم كي اتطلع على الأمر رايت فتاة بها من الجمال ما يكفي لمغازلتها وأشرت لها أن تقترب مني هزت راسها ولم افهم ماذا تريد أن تقول .
اقتربت منها وحدثتها بالإنكليزية مشاء الله كنت أحفظ بعض الكلمات , أجابتني باللغة الإسبانية وقالت أنها لا تتحدث الإنكليزية ,في نفس الوقت فهمت أنها تعاني من وجع الضرس , قلت لها ابشري كان معي علبة أسبرين استسمحت الشرطي أن اذهب إلى حيث حنفية الماء المبردة فسمح لي, اتيت لها بالماء وحبة الدواء , كان لموقفي اثر طيب فأيقظت صديقاتها لأن إحداهن تحفظ ثلاث كلمات انكليزي وهكذا تعارفنا وهن كن قادمات بعقد عمل للرقص الفلامنكي , وكوني مازلت خام وشقفة مقصور بيضاء كنت حذر جدا من السقوط بخداع النساء ,عند موعد الفطور قلت من يريد فطور قالوا نحن , قلت موني دراخما , قالوا لا نملك فلوس , قلت لهن على رأي المصريين اللي مامعوش مايلزموش ,جلبت الفطار لي ولبعض من أرد وهن ينظرن بابتسامة صفراء جعلتني أتذوق الطعام كالصبر , مرددا بنفسي إذا كانوا حقا لا يملكن فلوس اليس من الواجب اطعامهن وقارنت الموقف بكل صراحة مع شاب من سيرلانكا كنت قد اشتريت له ثلاثة وجبات , فاقنعت نفسي أنني ساساعدهن من منطلق انساني بحت ليس لأنهن نساء وجميلات .
عند اقتراب الغداء طرحت عليهن نفس السؤال أجبن لا شكرا لا نريد شيئا ,قلت لعدم توفر النقود؟ أجبن طبعا .
قلت لهن إذا كنت متأكد أنكن فعلا لاتملكن نقود ولا تخدعوني سأشتري لكم الطعام وكانت قد توطدت المعرفة أكثر فقررت أن أجلب لهن الطعام .
أنا أطرح هذا الموضوع ليس عبثيا بل كي أشير الى امر يستحق الذكر , كما قلت سابقا قد يكن الموقف مع ثلاثة رجال وكنت سافعله بالتأكيد و لكن بعد ذلك كن يتصرفن معي بطريقة تجاوزت اللغات والفوارق والمسافات والصفات كنت اشعر المحبة والإحترام في تصرفاتهن معي, وبدأت أشعر أن مايربط هؤلاء الناس هنا هو المكان والمصير المشترك كنّا نشعر أننا عائلة واحدة كيف لا وقد تقاسمنا المكان والطعام والخوف والإنكسار .
كان أحد رجال الشرطة يدخل ويتجاوز حدوده مع إحداهن وهي الأصغر سنا في الغرفة التي نتواجد فيها , فشكوت لزميله الذي اصبح صديقي وقلت له أنه يتجاوز حدود اللياقة .
قال لي اصغي جيدا , نحن ممنوع علينا أن ندخل إلى مهاجعكم وانت تستطيع ان تطرده وقد وصف لي رئيسهم وقال لي اشكيه له وسترى .
هذا ماحصل فعلا دخل ووضع يده على شعر الفتاة فوقفت أمامه وأبعدت له يده وقلت له اخرج من هنا فورا وإلا أدعو رئيسك الآن وأعمل لك قضية وكنت لا اصدق نفسي بعد أن رايته يبتعد كالفأر.
بعد قليل جاء احد المتعهدين وسحب اثنتان من الفتيات فبقيت واحدة منهن معي وكن يشعرن بالامان بسبب وجودي ولم تمضى ساعة واحد إلى دخل علينا شاب طويل عريض يتحدث اليونانية مع الشرطي فاعتقده انه احد رجال الأمن , دخل علينا والقى التحية فرددنا بمثلها سألني من اين انت وهذا السؤال الأول في مثل هذه الحالات , قلت له من سوريا فصرخ بلهجته الساحلية (شو متعمل هون) فحكيت له القصة قال وصديقتك قلت له عرفتها هنا وهي لا تتحدث سوى الإسبانية قال أنا أتحدث اليونانيةوالاسبانية والانكليزية والفرنسية والبرتغالية قلت له يكفي يكفي .
فجأة دخل علينا رجل في عقده الخامس وعليه هيبة الرجال المحترمين بحركة مني لمساعدته حددت موقعه في الغرفة وسالته من اين أنت ؟ قال من إيران , قلت له تفضل بالجلوس ماهي حكايتك .
قال أنا أعيش في بريطانيا وكانت زوجتي الأميركية تعيش معي ثم عادت مع ابنتي إلى اميركا وأنا احاول ان أتبعهن منذ عامين ولم أتمكن بسبب بسبوري الإيراني فزورت بسبور واكتشفوا أمري هنا ثم فتح حقيبة جلدية فيها من الالوان وريش الرسم واختار زاوية على الجدار وهي مربع مقسوم بشكل طبيعي مع الإيطار المعدني وأخذ يرسم كالساحر , حاول الشرطي ان يتدخل قال له لا انصحك وقد أترك لك هنا ثروة وهو يتابع.
تجسد على الجدار وجوه خمسة تمثل سكان القارات وعمق من الالوان التي توحي بيوم القيامة وقيود تلتلف حول الوجوه وطائري حمام تخترقهم النبال .
كان هذا المشهد هو الخاتمة المتميزة بعد أن ودعنا صديقتنا وكان اسمها بيرلا أي جوهرة وافرغنا بقايا دراخماتنا في يدها أنا وصديقي سمير الساحلي وتوجهنا إلى الطائرة في صباح اليوم الثاني حوالي الساعة العاشرة والنصف عائدين إلى دمشق , وهنا بدأت حكاية أُخرى .


-5-

كانت سلسلة جبال القلمون القاحلة الجرداء توحي بالظمأ والكآبة وكل ماقتربت الطائرة من مطار دمشق تقترب مني تلك الفكرة أكثر ويزداد تشائمي أكثر .
هبطت الطائرة وكنت أسير ببطىء وتوجس باتجاه المخرج وأنا لا أقوى على النظر في وجوه المارة كجندي عائد من حرب خاسرة وينتظر ان يتحمل هو وحده المسؤولية عن تلك الهزيمة .
كانت المرحلة التي سبقت سفري استثنائية كل شيء كان فيها استثنائي بما فيها ورقة عدم الممانعة وهنا كان كل القلق والريبة , وصلت إلى عنصر الأمن لم يستغرب أو ينتبه لتاريخ خروجي وعودتي خاصة أنني اكتشفت أن هناك تجار شنطة قد سافروا معي وعادوا معي ,تقدمت إلى شريط الحقائب وأخذت حقيبتي وأنا لا اصدق نفسي حيث خرجت من باب المطار الخارجي , لم اكن ميسور الحال وكانت رحلتي الأولى قد استهلكتني وحتما كان علي أن ابدأ رحلة العذاب من جديد بين متابعة اجراءات السفر من الفيزا إلى بطاقة الطائرة وما يتوجب لذلك .
طبعا عندنا مثل يقول (إذا وقع البيت معش الخوف على الكواير )لذلك بعد أن خسرت بطاقة الطائرة وبعض المصاريف التي لم تكن قليلة قررت أن أنتقم من نفسي وأجني عليها أكثر أخذت تكسي من مطار دمشق إلى القرية لأنني أشعر بضرورة الهروب من دمشق والعودة إلى البلد بأقصى سرعة .
وصلت إلى البيت كان فارغا لا يوجد به أحد فوجدتها فرصة كي أغتسل بعد خمسةأيام من الإنتظار في المطارات وبدلت ثيابي وذهبت بعدها إلى بيت شقيقتي لم أجد أحد قالت لي أخت زوجها أنهم ذهبوا إلى حفلة زفاف في القرية المجاورة حيث كان العريس أيضا صديق لي قررت اللحاق بهم وكانت المسافة 4 كم.
كان المساء قد أحل على المكان وبدأت العتمة تنتشر قليلا حين دخلت دار العريس وكانت هذه الليلة الثانية حيث تواجد الأصدقاء المقربين والاقارب .
لكم أن تتخيلو المشهد لأن العريس كان قد ودعني قبل ايام ووالدتي وأشقائي كانوا ينظرون نحوي غير مصدقين .
حيث دخلت شاهرا ابتسامتي العريضة تسيقني تعليقات طريفة لأمتص عامل المفاجأة التي ارتسمت على وجوه الأهل والأصدقاء وتوجهت بالحديث إلى شقيقتي التي كاد أن يغمى عليها حين رأتني وهي تردد لماذا لماذا أنت هنا؟ .قلت لهم لقد نسيت فرشاة الأسنان وعدت كي آخذها على الرغم أنني لست من المثابرين على غسيل أسناني ., وانهالت علي الاسئلة عن سبب وجودي والبعض منهم اعتقد أنني لم اغادر من اصله ربما كنت موقوفا بالمطار , قضيت السهرة مع المحتفلين وعدت مع افراد اسرتي لأبدأ من جديد الإعداد للسفر لكن هذه المرة في ظروف مادية أكثرصعوبة من قبل .
توجهت إلى السفارة وقلت للموظف الذي ارتكب هذه الحماقة . .. اسمع لقد عدت من ميلانو بسبب سوء تصرفك حين صححت التاريخ ولم تمهر ختم السفارة وقد تسببت بخسارة مادية لي تفوق طاقتي ,أنا أعلم علم اليقين أنني استطيع أن احملكم المسؤولية وأدفعكم العطل والضرر لكنني لن أفعل ذلك إذا أنت احسنت التصرف وقمت بإعطائي تاشيرة جديدة للدخول نظيفة وفضفاضةهذه المرة.
بالطبع قد فهم رسالتي جيدا وقام بسرعة لإعطائي تاشيرة الدخول معفاة حتى من الرسوم .
كنت قبل سفري قد عملت على تحويل مكان سكني في دمشق وعملي ايضا إلى أخي الأصغر والآن لم يعد مقبولا على صعيد أخلاقي في مقاييسي على الأقل أن أستعيد العمل ريثما اعيد تجهيز نفسي لذلك وجدت نفسي عاطلا عن العمل في مرحلة كنت في أمس الحاجة أن أجمعفيها بعض المال .
وكان من الصعب علي ان ألجأ إلى حلول سهلة كبيع قطعة أرض مثلا لأن ذلك كان بالنسبة لي امرا مستحيلا فوجدت نفسي عاجزا ومشلولا ولم ينقذني سوى عدد قليل من الاصدقاءوبعض المكرهين على مواقف النخوة واكنت هذه المناسبة المحك لبعض من يدعي الصداقة هنا كان الاصطفاء الطبيعي للناس والاصدقاء والاقارب حيث تتضح المسافة , سقط من سقط وتنحّى من تنحىّ وبقيت مجموعة من الأصدقاء تقف إلى جانبي وتدعمني معنويا وماديا وقد اكتشفت فيما بعد أن أن زوجة صديقي قد رهنت ماكينة الخياطة لشخص اقرضنا فلوسا على الفائدة وهؤلاء الاصدقاء صديقي وزوجته هم في ذمة الله اليوم رحمهم الله .

-6-
عدت من جديد للسير في مسيرة الإجراءات والإعداد للسفر مرورا بإدارة الهجرة والجوازات والوقوف أمام مزاجية وأطماع الموظفين اللذين تعودوا على الرشوة كنت قد عانيت في تعقيب المعاملات في المرة الاولى بسبب قريب لي يساعدني على بعض المعاملات كي اتجنب شجع الموظفين , لكنه كان اكثرهم بشاعة واقلهم وجدانا وأكثرهم صفاقة ,كانت التعقيدات المصطنعة من قبل بعض الموظفين رسائل واضحة للرشوة لكنني كنت اتحمل الأعباء دون ادنى انصياع لرغباتهم , على مابيدوا أن احد الموظفين المسؤولين عن اعطاء ورقة المقيم لم اكن أروق له بعد أن حفظ وجهي وربما قد رآني ثقيل دم كوني لم أتعلم فنون الرشوة كوني اخجل من هذا الفعل وحفاظا على مشاعر المرتشي من الإحراج لأنني كنت أتوقع أنهم بشرا ويعرفون الخجل .
,وقفت بالصف الموجود أمام الوظف وكان امامي حوالي عشرة اشخاص حين وصلت أليه نظر ألي ببراءة وقال التزم بالدور كالآخرين لوسمحت . .. أجبته انه دوري كما ترى والجميع رآني أنخرط بالصف ... أجابني لا لا دعك من هذه الشطارة وخذ دورك ... قلت لمن خلفي يا شباب الم تروني أقف في الصف حسب الأصول ؟ لا أدري ماذا حصل للناس كأنما شيئا اكل ألسنتهم لم يتحمس احد للشهادة وكان الموظف مصرا على موقفه ...لكنني وقفت ومنعت الشخص الذي ناداه من التقدم وقلت هذا دوري ......... قال الموظف إذا لم تلتزم ساحيلك إلى مكتب النقيب .... قلت له احلني حيث ما شئت أنا لن اتخلى عن حقي تلاسنت معه وأنا من أصحاب الصوفة الحمراء كما يقولون لكنني امتطيت خيول المتبجحين وقمت بخطبة عصماء محذرا الموظف أن هناك من سيحاسبه على فعلته ووضعته في موقف حرج ونهض كي يخيفني وقال هيا إلى مكتب النقيب فمشيت معه وفجأة توقف عند الباب وقال أعطني جواز سفرك فاعطيته اياه , ابتسم كالمنتصر حين رأى التاشيرة وقال ههه انت مقيم في الخارج وتريد ورقة مقيم الآن ساحيلك إلى الأمن السياسي , قلت له هذه تاشيرة دخول ولسيت إقامة ... قال لا تخادع هذه إقامة , قلت في قرارة نفسي أنا سأحسمها .
وقمت بفعل جريء أخذت من يده الجواز وقرعت الباب ثم دخلت على النقيب محتجا ومعاتبا مبيناََ له الأمر شاكيا الموظف الذي اساء معاملتي ومبينا له أن هذه التاشيرة التي دخلت وخرجت بها من إيطاليا واليونان عائداّ إلى الوطن .
أخذ النقيب الجواز من يدي وتصفحه متأملا مدققا في التاشيرة وكانت واحدة مكتوبة باللغة الإيطالية والثانية باللغة اليونانية قال أنت متأكد أن هذه ليست إقامة ... قلت له أنظر بنفسك إنها تاشيرة دخول.... قال انتظر كي يعود المساعد حسين فهو الوحيد الذي يعرف لغات اجنبية , وقفت مندهشا وكدت أن أنفجر لولا حساباتي وتعقلي والإنغلاب على امري , أخذت جوازي وخرجت إلى الموظف قال مبتسما ما الأمر ...قلت له أين المساعد حسين قال لي في جيبتي راسما تلك الابتسامة الصفراء , في هذه الاثناء كان موظفا على الطاولة المجاورة يراقب كل ما حدث بصمت نظر نحوي وناداني قائلا تفضل بالجلوس , جلست وأنا أحمد الله على وجود أمثاله , قال لي ماقصتك ؟.. فرويتها له...... تاثر جدا لما حدث لي وقال اعطني الجواز ونهض من مكانه وقام بالإجراءات وأتم لي معاملتي فودعته شاكرا وما زلت أذكره بالخير وبالمناسبة هو من محافظة درعا .
هكذا بدأت مرحلة اخرى للتجهيز وإعداد الحقائب والمبالغ المطلوبة لإعيد الكرة مرة أخرى وبحمد الله تمكنت من الدخول في هذه المرة وبدأت رحلة جديدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taisir.yoo7.com
 
الهجرة الأخيرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المدونة  :: الديوان-
انتقل الى: